رحّب رئيس الوفد الوطني المفاوض، محمد عبدالسلام، بدعوة شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب إلى إنهاء الحروب والصراعات في المنطقة، مؤكداً أن ما يجري بين اليمن والسعودية هو الأكثر صخباً في الوقت الراهن، وأن من الضروري وضع الحقائق المتعلقة بالعدوان السعودي على الشعب اليمني منذ عام 2015م أمام الرأي العام.
وقال عبدالسلام، في رسالة وجّهها إلى شيخ الأزهر، اليوم الأربعاء، إن الشعب اليمني لم يكن يوماً مصدر تهديد للمملكة العربية السعودية، ولم يبدأ الحرب ضدها، موضحاً أن الخلافات التي شهدتها اليمن قبل مارس 2015م كانت داخلية، وكان بالإمكان معالجتها بالحوار والتفاهم بعيداً عن التدخل العسكري الخارجي.
وأشار إلى أنه كُلّف من السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بالتوجه إلى المملكة مطلع عام 2015، حاملاً رسالة طمأنة إلى القيادة السعودية، لتوضيح طبيعة الأوضاع الداخلية في اليمن والتأكيد أن الثورة اليمنية لا تمثل تحدياً للمملكة، وأن الجانب اليمني مستعد لحل الخلافات السياسية عبر الحوار والتفاهم.
وأوضح أن الرسالة نُقلت في عهد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وأنه عاد إلى اليمن عقب وفاته على أمل استئناف التواصل لاحقاً، غير أن التطورات اللاحقة اتجهت نحو التصعيد العسكري، مع وصول الملك سلمان إلى الحكم.
ولفت رئيس الوفد الوطني المفاوض إلى أن العدوان السعودي بدأ في 26 مارس 2015 بغارات جوية استهدفت مطار صنعاء الدولي وحياً سكنياً مجاوراً، تحت مسمى “عاصفة الحزم”، معتبراً أن التدخل العسكري جاء دون مبرر، وأسهم في تعقيد الوضع الداخلي وتوسيع نطاقه، بدلاً من احتوائه ومعالجته بالوسائل السياسية.
وأكد أن منطق الإسلام والعروبة وحسن الجوار كان يقتضي من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية، العمل على حل الخلافات بين اليمنيين بطريقة ودية، دون الانحياز لطرف ضد آخر، مشدداً على أن الحوار يمثل الطريق الصحيح لمعالجة أي خلافات بعيداً عن الحرب وفرض الأمر الواقع بالقوة، مستشهداً بالآية القرآنية الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، مبيناً أن المنهج القرآني يقوم على الإصلاح والعدل والإنصاف، بما يضمن معالجة أسباب الخلاف ومنع تجدد الصراع نتيجة شعور أي طرف بالغبن.
وأشار عبدالسلام إلى أن التدخل العسكري السعودي تواصل عبر المجازر والجرائم وفرض الحصار الخانق، ما أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء، فضلاً عن وفاة أعداد كبيرة جراء تداعيات الحصار والحرمان من الاحتياجات الأساسية.
واعتبر أن الحرب السعودية العدوانية لم تحقق أهدافها، في حين استمرت تداعياتها الإنسانية والسياسية، مؤكداً أن المملكة لم تتمكن من حسم الصراع عسكرياً، ولم تتخلص من تبعات تدخلها الذي أسهم في تعميق معاناة الشعب اليمني.
وجدد رئيس الوفد الوطني المفاوض ترحيبه بدعوة شيخ الأزهر إلى إنهاء الحروب في المنطقة، معرباً عن أمله في أن تسهم الجهود الرامية إلى السلام في وقف الصراعات، وإنهاء معاناة الشعوب، وتعزيز الحوار والتفاهم على أساس العدل والكرامة.
وفي ما يلي نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الصادق الأمين، من بلغ الأمانة وأدى الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله في الأولين وفي الأخرين، ورضي الله عن صحابته الأخيار المنتجبين.. وبعد:
فضيلة شيخ الأزهر أ د أحمد الطيب الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
وإذ نرحب بدعوتكم المسؤولة والحكيمة لإنهاء الحروب في المنطقة، نود أولا أن نتقدم إليكم بالشكر والعرفان لما تفضلتم به راجين من الله تعالى أن تكلل جهودكم بالتوفيق والنجاح، آملين منه تعالى لكم ولشعب مصر العزيز الخير العميم في ظلال من العزة الإسلامية والكرامة العربية.
فضيلة شيخ الأزهر الموقر، وقد تفضلتم بالدعوة لإنهاء الصراعات في المنطقة، وكون ما يجري بين اليمن والسعودية هو الأكثر صخبا في الوقت الراهن، فإننا نود أن نضع بين أيديكم حقائق لا غنى عنها بشأن ما يتعرض له الشعب اليمني من عدوان سعودي منذ عام 2015م وحتى الآن.
إن الشعب اليمني لم يكن يوما مهددا المملكة الجارة بأي شكل من أشكال التهديد، ولم يبتدئها يوما بحرب.
قبل وقوع عاصفة 2015م كنا – نحن اليمنيين- على خلاف سياسي وصراع عسكري ، وبغض النظر عن التفاصيل في تلك المرحلة، فقد كان الصراع داخليا، وحرصا على عدم تفاقمه إلى أبعد من ذلك تم ابتعاثي من قبل السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي إلى المملكة بداية عام 2015 لأنقل رسالة طمأنة للمملكة، ولأوضح لهم طبيعة ما يجري داخل بلدنا اليمن، وألا تضع المملكة في حسابها أن ثورتنا اليمنية هي تحد لها وأننا على استعداد لحل أي خلاف سياسي بالحوار والتفاهم، هذه كانت خلاصة رسالة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حمّلني إياها للمملكة في عهد ملكها الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وحين وفاته طُلب مني العودة لبلادي اليمن على أمل التواصل لاحقا.
والذي حدث لاحقا أن الحكم الجديد بقيادة الملك سلمان جاء للعرش السعودي حاملا خطة حرب لا خطة سلام، وهكذا ودون أي مبرر وقعت الواقعة، بإقدام النظام السعودي الجديد في 26 مارس 2015م بمفاجأة الشعب اليمني والمنطقة بغارات جوية استهدفت أول ما استهدفت – في ذلك الليل الأليل والناس نيام – مطار صنعاء الدولي وحيا سكنيا مجاورا، ليصحو العالم حينها على ما أسموها عاصفة الحزم، واللافت في الأمر أنها أعلنت من واشنطن في عدوان غادر سافر لا مبرر له البتة، ولعل السعودية ظنت حينها أنها بطيرانها الأمريكي الحربي والدعم الأمريكي المفتوح على مقدرة من الحسم السريع، وما أدركت أنها إنما زادت الطين بلة، وأنها إنما تسببت أكثر في صب الزيت على النار التي تشتعل حاليا على نطاق أوسع بسبب تلك المغامرة غير المحسوبة وغير المسؤولة.
ثم إنه وبمنطق الإسلام والعروبة والجوار لم يكن الوضع في اليمن بحاجة لحرب خارجية، وكان على الإخوة العرب خصوصا الجار الأكبر منهم وهي السعودية أن تبادر لحل الخلاف بيننا نحن اليمنيين بطريقة ودية ودون انحياز لطرف ضد الآخر، وأن تتفاعل إيجابيا مع رسالة الطمأنة التي حملتها أنا شخصيا إليهم باسم السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.
وغير خاف عنكم – فضيلة شيخ الأزهر وأنتم من أهل العلم والمعرفة وفي موقع القدوة والمسؤولية – أن أي تدخل لحل نزاع بين إخوة لا يكون أولا بالحرب بل بالحوار فإن تم الصلح فذلك المراد وكفى الله المؤمنين شر القتال، وإن لم يتم صلح فليُنظر أي الفئتين تبغي فتردع حتى تفيء إلى الحق فإن رضيت به تتم العودة إلى مسار الصلح وبالعدل لا بمنطق الغلبة حتى لا يشعر أحد بالغبن فيشتعل الصراع مجددا، وذلك ما جاء به القرآن الكريم كما قال سبحانه وتعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.).
سماحة الشيخ الجليل، إن ما ذكر أعلاه أمرٌ بالغ الأهمية كانطلاقة لا بد منها لمعرفة الوضع الراهن والذي هو امتداد لما سبق.
وكما أسلفنا أن المملكة بتدخلها العسكري إنما صبت الزيت على النار فقد استمرت على ذلك المنوال بالمجازر والجرائم الموثقة إضافة إلى فرض حصار خانق وقد أسفر كل ذلك عما أسفر من سفك لدماء عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء، ومن لم يقتل بالطيران مات بسبب الحصار الذي هو الآخر قضى على مئات الآلاف، وهكذا كان التدخل العسكري السعودي في سنواته الأولى فلا هو الذي تمكن من أهدافه وهي غير مشروعة وما أنزل الله بها من سلطان، ولا هو الذي أعفى المملكة من تداعيات عدوانها التي لا تزال تصر عليها.
ثم كانت هدنة 2022م والتي استبشر بها شعبنا اليمني خيرا علها تكون فرصة تنتهزها السعودية للخروج من ورطتها والوفاء بالتزاماتها، وانتهى العام الأول من الهدنة دون أي تقدم حتى في الملفات الإنسانية الملحة، وبعد العام الأول من الهدنة حدث تطور إقليمي هو طوفان الأقصى وقد لبى شعبنا اليمني نداء أهل غزة بمناصرتهم بما استطاع إلى ذلك سبيلا، ووجدت السعودية في ذلك للأسف الشديد فرصة لها للمماطلة والتربص باليمن المنشغل بمساندة غزة، وهكذا طالت الهدنة لأربع سنوات لم ترتق فيها السعودية لمستوى المسؤولية، وتعاطت بلا مسؤولية مع تداعيات عدوان العاصفة، بل وزادت في إجراءات الحصار أكثر مما كان عليه فلا تصل السفن إلى ميناء الحديدة إلا بعد أشهر من العرقلة والتأخير مما أرهق كاهل الشعب اليمني الذي وجد نفسه يرزح تحت طائلة ارتفاع أسعار السلع كونها لا تصل إلا بعد ارتفاع تكاليفها كما عملت على إعاقة دفع مرتبات الموظفين اليمنيين مما زاد من حدة وسوء الوضع الإنساني.
فضيلة شيخ الأزهر الموقر – وإذ لا بد من التوضيح والتبيين – فقد وصلنا للمرحلة الحالية التي لا تختلف عن سابقاتها من حيث إن السعودية تميل للحرب أكثر من السلام، وتسعى للهيمنة ولا ترغب في الاحترام المتبادل، وتتعامل باستعلاء بعيدا عن تعاليم الإسلام الذي ينهى عن الاستكبار خصوصا استكبار الجار على جاره.
وفي المرحلة الحالية فقد بدأتها السعودية بغارات على مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو الماضي دون أي سبب، ولا نعرف إن كان عودة مواطنين يمنيين من الخارج إلى بلدهم على متن طائرة إيرانية كانت تقل وفدا رسميا – لا نعرف كيف يكون ذلك انتهاكا لسيادة اليمن، أو كيف يكون ذلك تهديدا لأمن المملكة !!، ولكنه النظام السعودي تعاطى مرة أخرى باستكبار، وشن غاراته على مطار صنعاء الدولي الذي يقع في نطاق الجمهورية اليمنية وليس داخل الحدود السعودية، وكان عدوانا سافرا مثّل استفزازا كبيرا للشعب اليمني، وكانت تلك الغارات بمثابة القشة التي قصمت ظهر الهدنة التي لم يتحقق منها شيء، وكان الشعب اليمني يترقب سلاما فإذا به أمام تصعيد جديد، وحصل لاحقا ما حصل من مواجهة التصعيد بالتصعيد، عملا بقوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، وقوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.
فضيلة شيخ الأزهر الموقر، وإذ نضع بين أيديكم حقائق ووقائع عما جرى ويجري بين الجمهورية اليمنية والمملكة، فإننا نجدد ترحيبنا بدعوتكم الكريمة، وصنعاء تتشرف بزيارة تقوم بها لجنة من الحكماء تكون بنظركم وأن تكون كما يريد الله لأهل الصلح أن يكونوا من التقوى والشجاعة لقول الحق مهما كان عسيرا، قال تعالى: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، وقال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، وشعبنا اليمني وهو يتطلع للعدل والإنصاف فهو لا يطلب فوق العدل، ولا يرضى بأقل من العدل، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
ختاما نرجو الله تعالى لكم دوام الصحة والعافية آملين لكم التوفيق والسداد… والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
المصدر: المسيرة نت
