كان أحمد يحيى في التاسعة من عمره عندما فر من هجوم وقع على قريته في شمال دارفور بالسودان في أثناء الحرب عام 2003، وبعد أن فصلت الفوضى بينه وبين معظم أفراد أسرته، سار على قدميه لعدة أيام قبل أن يصل إلى مخيم لاجئين يغطيه الغبار على مشارف بلدة نائية في تشاد.
وتمكن شقيق أحمد الأصغر، صدام إسماعيل، من الوصول إلى المخيم أيضا، وكذلك ابن عمهما الصغير ويدعى الهادي صالح. لكن الكثير من أقاربهم الآخرين لم يتمكنوا من الوصول أو قتلوا.
وانتهت رسميا منذ فترة طويلة حرب دارفور الضارية التي شردت هؤلاء الصبية، لكن الصراعات ظلت متأججة، واندلعت حرب أهلية كبرى في السودان منذ ثلاث سنوات. ولا يزال أحمد وصدام والهادي يعيشون في نفس المنازل التي نشأوا فيها داخل مخيم اللاجئين، ويربي أحمد الآن طفليه هناك أيضا.
وما هؤلاء إلا ثلاثة من بين أعداد هائلة من السودانيين طال أمد لجوئهم في واحدة من أفقر دول العالم. ومنذ اندلاع الحرب الحالية في السودان -بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية– فر نحو 974 ألف شخص إلى تشاد، مما رفع إجمالي عدد اللاجئين السودانيين هناك إلى 1.4 مليون. وبعد مرور أكثر من 20 عاما على وصول أول هؤلاء اللاجئين، لا سبيل أمامهم للعودة إلى السودان أو لبناء حياة مستقرة حيث يعيشون، أو حتى للانتقال إلى أي مكان آخر.
وقال أحمد، الذي يبلغ من العمر الآن 32 عاما “ليس لدينا عمل هنا. ليس لدينا أي أموال. لا يمكننا البقاء هكذا”.



- مفارقة
يمتد مخيم إيريديمي على مساحة تبلغ حوالي ثلاثة أميال مربعة (نحو ثمانية كيلومترات مربعة) في سهل شبه قاحل في شرق تشاد، وتعمل وكالات إغاثة على توصيل المياه مرة أو مرتين في الأسبوع، أما الغذاء فهو شحيح، إذ لا تقتات بعض الأسر إلا على الحبوب.
ويعيش أحمد مع زوجته وطفليه، إلى جانب والدته وشقيقتيه اللاتي انضممن إليه لاحقا في المخيم، في منزل مشيد من طوب بلون الرمال يضم غرفا متعددة ومساحة لاستقبال الضيوف. وفي كل عام، بعد موسم الأمطار، يرممون الجدران.
ويعكس منزل العائلة المبني من الطوب، الذي يحرصون على صيانته، وكيس الذرة الرفيعة الوحيد لديهم الذي يحمل ملصقات باهتة لوكالة إغاثة، مفارقة حياة كان يُفترض أن تكون مؤقتة لكنها امتدت لسنوات. ومثل حوالي 300 ألف آخرين فروا من حرب دارفور، ظن أحمد وشقيقه وابن عمه أنهم سيحصلون على مأوى آمن لفترة وجيزة ثم يعودون إلى السودان عندما يعود السلام. لكن السنوات توالت وهم عالقون في وضع لا يتغير.
ولا تقتصر هذه المحنة على اللاجئين في تشاد. فوفقا لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان نحو 70 بالمئة من اللاجئين في العالم -البالغ عددهم 36 مليون لاجئ في نهاية عام 2025- عالقين في أوضاع طال أمدها لخمس سنوات أو أكثر، من دون أن يلوح حل في الأفق.
وعلى مدار 23 عاما انقضت منذ وصول أحمد وصدام والهادي إلى تشاد، شهدت المساعدات الإنسانية المقدمة إلى البلاد تقلبات، ولم تتمكن من مواكبة حالة الطوارئ المستمرة والمتفاقمة.
ووفقا لشبكة (ألناب) للعمل الإنساني،التي تجمع البيانات من الأمم المتحدة بالإضافة إلى مصادر عامة وخاصة أخرى، فقد زاد إجمالي التمويل الإنساني المقدم إلى تشاد خلال العشرين عاما الماضية إلى المثلين، بعد تعديله لمراعاة التضخم. وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن عدد اللاجئين ارتفع إلى ستة أمثال خلال الفترة نفسها.
ويأتي هذا الانكماش في المساعدات في خضم أزمة لاجئين عالمية أوسع نطاقا. فقد ارتفع عدد أولئك الذين أجبروا على النزوح من ديارهم، بمن فيهم اللاجئون وطالبو اللجوء والنازحون داخليا، بنسبة 33 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية ليصل إلى 118 مليون شخص، وفقا للأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه تقول شبكة (ألناب) إن التمويل الإنساني العالمي تراجع 20 بالمئة ليصل إلى 33 مليار دولار.
وزاد الوضع سوءا خفض الحكومة الأمريكية مساعداتها الإنسانية العالمية بواقع 7.4 مليار دولار في 2025، وفقا لتقديرات ألناب، وهو العام الذي بدأ فيه دونالد ترامب ولايته الرئاسية الثانية. وقلصت الولايات المتحدة، وهي أكبر مانح منفرد لتشاد، تمويلها للبلاد العام الماضي. وتقول ألناب إنه في عام 2025، قدمت واشنطن إلى تشاد 117 مليون دولار، بانخفاض 65 بالمئة عن ذروة التمويل في العام السابق.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن إدارة ترامب أنفقت 100 مليون دولار في السنة المالية 2026 لتلبية الاحتياجات في تشاد، وأضاف أن “الولايات المتحدة ملتزمة بإنهاء الصراع المروع في السودان”.
- نزوح لعقود من الزمن
بالنسبة لأحمد وصدام والهادي، يكشف عدم الاستقرار في تدفق المساعدات الإنسانية قصور برامج الإغاثة التي صُممت في الأصل للتعامل مع أزمات مؤقتة، لا لدعم لاجئين لعشرات السنين.
ولا توجد آبار كافية في مخيم إيريديمي لتلبية احتياجات سكانه الذين يتزايد عددهم بشكل كبير، كما أن طبيعة الأرض شبه الصحراوية لا تصلح لزراعة محاصيل تذكر. وبدأ بعض المقيمين منذ فترة طويلة، بمن فيهم أحمد وأقاربه، في زراعة مساحات صغيرة من الأرض بالقرب من مجرى جاف لنهر موسمي على بعد عدة كيلومترات، حيث يزرعون الذرة الرفيعة وحبوب الدخن ومحاصيل أخرى.
لكن الجفاف الشديد الذي أصاب المنطقة هذا العام حرم العائلة من أي محصول في نهاية موسم الأمطار في شهري سبتمبر أيلول وأكتوبر تشرين الأول. وأجبر ذلك أحمد وعائلته، مثل آلاف آخرين، على الاعتماد بشكل كامل تقريبا على المساعدات التي تقدمها شبكة من الوكالات الدولية.
وفي تشاد، توزع المساعدات الغذائية في الغالب على شكل مدفوعات نقدية من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الذي يعمل في المنطقة جنبا إلى جنب مع منظمات إنسانية أخرى تقدم في المقام الأول الدعم الطبي وأنواعا أخرى من المساعدات. ويستخدم برنامج الأغذية العالمي مزيجا من التحويلات الإلكترونية إلى حسابات الهواتف المحمولة للاجئين، بالإضافة إلى القسائم التقليدية والنقود. كما تقوم بعض الوكالات بتوزيع المواد الغذائية مباشرة.
واضطر برنامج الأغذية إلى البدء في خفض حصص المساعدات التي يتم توزيعها في مطلع عام 2026 بسبب نقص التمويل، وفقا لمقابلات أجريت مع موظفي البرنامج في تشاد. وتبلغ الحصة الشهرية الكاملة للأسرة الواحدة في تشاد ثمانية آلاف فرنك أفريقي (14 دولارا). وقال أحمد إن أسرته المكونة من أربعة أفراد تحصل الآن على ما يعادل سبعة دولارات ولا تستطيع شراء أي شيء من السوق.
وأدى انخفاض المساعدات الغذائية، إلى جانب الجفاف وتزايد عدد اللاجئين، إلى تراجع النشاط الاقتصادي غير الرسمي في المخيم. ولا تزال سلع أساسية مثل السكر والزيت والذرة الرفيعة متاحة في السوق المحلية، ويستورد بعضها بالشاحنات من النيجر وليبيا المجاورتين. وقال أحمد إن الأسعار في السوق ارتفعت بشكل حاد خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وأضاف أن سعر الجالون من زيت الطهي يبلغ ثلاثة آلاف فرنك أفريقي، أو حوالي خمسة دولارات، وهو مثلي السعر في الصيف، وأشار إلى أن أسرته لا يمكنها تحمل هذا المبلغ.
وفي سوق المخيم، توقف صاحب محل كان يدر عليه لعب الورق أرباحا في السابق عن تحصيل المال مقابل اللعب، وأصبح يطلب من الزبائن دفع ثمن الشاي فقط. ووفقا لمقابلات أجريت مع بعض المقيمين في المخيم، فإن عدد من يملكون المال لشراء الهواتف المحمولة أو الاشتراك في خدمة (ستارلينك)، أو حتى شراء الخبز قد انخفض.
وحاول ابن عم أحمد، وهو الهادي (33 عاما) المتزوج حديثا تغطية نفقاته من خلال العمل بدوام جزئي في إصلاح الهواتف المحمولة أو نقل الركاب بواسطة عربة ريكشا (عربة بثلاث عجلات) يستعيرها من صديق. لكنه قال إنه مع شح السيولة النقدية، لم يعد هناك سوى القليل من العمل المتاح.
وقال الهادي، الذي يعيش مع زوجته في منزل ليس بعيدا عن منزل أحمد “زمان كنا نعتمد على أنفسنا بس هذه السنة غير”.
ونظرا لأن قطعة الأرض الزراعية المشتركة للعائلة لم تثمر شيئا هذا العام، فليس لديها ما تقتات عليه سوى حساء تعده من كيس الذرة الرفيعة الذي قدمته لها إحدى وكالات الإغاثة الشهر الماضي. وقال أحمد “ليس لدينا ما نقدمه لأطفالنا، ولا طعام جيد نطعمهم إياه”.
- فقط الأشد ضعفا
تروي صفوف المباني في المخيم تاريخ الصراع في السودان وتكشف عن حجم التحديات التي تواجهها المنظمات الإنسانية لمواكبة الاحتياجات، حيث بنى معظم اللاجئين الأوائل القادمين من دارفور مثل أحمد وأقاربه منازل من الطوب، أما اللاجئون الذين فروا من الحرب الحالية فيعيشون في مبان خشبية أو معدنية تفصلها مسافات متساوية وذات أسقف من الصفيح اللامع شيدتها منظمات الإغاثة بأعداد كبيرة. لكن على أطراف المخيم يعيش الكثير من الوافدين الجدد الذين لا يحصلون سوى على ملاجئ مغطاة بالبلاستيك لا توفر لهم حماية تذكر من الشمس الحارقة.
وفي سبتمبر أيلول 2026، بلغ عدد اللاجئين المسجلين في قاعدة بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم إيريديمي ومخيم جودران المجاور 94718 لاجئا.
ويبعد مخيم إيريديمي نحو 80 كيلومترا عن الحدود السودانية، وأنشأته مفوضية اللاجئين ومنظمات غير حكومية عام 2004. وهو رابع أقدم مخيم من بين نحو 30 مخيما للاجئين منتشرة في أقاليم تشاد الشرقية الأربعة المتاخمة للسودان.
ومنذ عشرات الأعوام تتشابك العلاقات بين البلدين، وتربط الناس على جانبي الحدود علاقات قبلية قوية وصلات أسرية وثيقة. وبعد فترة وجيزة من اندلاع الحرب الحالية عام 2023، أقر الرئيس التشادي محمد ديبي ضمانات قانونية لجميع اللاجئين وطالبي اللجوء، بما في ذلك الحق في العمل والتنقل داخل البلاد.
ولم ترد الحكومة التشادية على طلبات متعددة للتعليق حول كيفية تعاملها مع التحديات التي تفرضها أزمة اللاجئين.
وقال متحدث باسم برنامج الأغذية العالمي إن البرنامج اضطر إلى تقليص عدد اللاجئين الذين يتلقون الدعم الغذائي في تشاد. وأضاف المتحدث أن البرنامج، اعتبارا من أكتوبر تشرين الأول، لم يعد يقدم الحصص الشهرية الكاملة إلا لحوالي 200 ألف شخص يصنفهم ضمن فئة “الأشد ضعفا”. وهذا يمثل أقل من 15 بالمئة من إجمالي اللاجئين السودانيين في تشاد.
وأضاف المتحدث أن فئة أخرى يصنفها البرنامج بأنها “شديدة الضعف” ستتلقى حصصا غذائية كاملة، لكن مرة واحدة فقط كل ثلاثة أشهر. وقال إن إجمالي عدد اللاجئين في تشاد الذين سيحصلون على أي شكل من أشكال المساعدات سيبلغ حوالي 600 ألف لاجئ، انخفاضا من مليون في وقت سابق من هذا العام.
وقال مارك سيكبون، رئيس البرامج في مكتب برنامج الأغذية في تشاد، إن المنظمة تعمل مع الحكومة في محاولة لزيادة الإنتاج الزراعي وتوسيع برامج كسب العيش للمساعدة في مواجهة ما وصفه بأنه “انخفاض حاد” في المساعدات الإنسانية.
وفي أبريل نيسان قالت مفوضية اللاجئين، التي تنسق مع الحكومة التشادية لمواجهة أزمة اللاجئين السودانيين، إنها ووكالات الأمم المتحدة الأخرى ليس بإمكانها سوى مساعدة أربعة فقط من كل عشرة لاجئين في تشاد.
وقال توم فليتشر، مسؤول المساعدات في الأمم المتحدة، عن هذه التخفيضات “هذه ليست مجرد نسب مئوية في جدول بيانات. إنها تعني وجبات لم توزع، وملاجئ لم تشيد، وأطفالا لم يتلقوا العلاج”.
وتقول مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرصد عالمي للجوع، إنه في إقليم وادي فيرا في تشاد -حيث يقع إيريديمي- ينتشر سوء التغذية بين ثلاثة أرباع الأطفال التشاديين دون سن الخامسة ونحو نصف الأطفال اللاجئين.
وقال أحمد إن أسرته كانت تحصل في وقت سابق من هذا العام على حصص غذائية شهرية كاملة، رغم أنه وصل إلى تشاد للمرة الأولى قادما من دارفور قبل أكثر من 20 عاما. وذلك لأن اللاجئين الجدد غالبا ما يصنفون على أنهم أكثر احتياجا، وتحمل بطاقة هوية اللاجئ الخاصة بأحمد ختم عام 2023 وليس عام 2003 الذي فر فيه من حرب دارفور.
وغادر أحمد إيريديمي للعودة إلى السودان في عام 2018، في إطار برنامج إعادة توطين طوعي مدعوم من الأمم المتحدة دفع لكل مشارك 600 دولار عند عبور الحدود. لكن عندما اندلعت الحرب الحالية، هاجمت قوات الدعم السريع شبه العسكرية مدينة نيالا التي كان يعيش فيها واضطر إلى العودة في عام 2023 إلى نفس المنزل الذي غادره في إيريديمي.
وقال ماجاتي جيس ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تشاد إن الدولة بحاجة إلى “تحول جذري”، بعيدا عن تقديم الإغاثة الطارئة، نحو نهج يجمع بين المساعدات الإنسانية والتنمية طويلة الأجل وجهود بناء السلام.
وأضاف جيس “لا يمكنك إطعام الناس لمدة 20 عاما… ولا يمكنك توفير الرعاية الصحية لمدة 20 عاما. بعد 20 عاما، يجب أن يكون لديك آلية للتكيف”.
- اهتمام العالم
وصل أحمد وصدام والهادي لأول مرة إلى إيريديمي في وقت كان فيه اهتمام العالم منصبا على حرب دارفور.
ونشرت الحكومة السودانية، التي كان يقودها آنذاك الرئيس عمر البشير، ميليشيات محلية معظمها من العرب تعرف باسم “الجنجويد” للمساعدة في سحق حركة متمردين اتهموا الحكومة بإهمال المنطقة. واتهمت الولايات المتحدة “الجنجويد” بارتكاب إبادة جماعية، وتدفقت المساعدات الأجنبية في الوقت الذي حاولت فيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش التوسط لإنهاء الحرب الأهلية.
وزارت الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي، التي كانت آنذاك سفيرة النوايا الحسنة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مخيم إيريديمي ومخيمات لاجئين أخرى في تشاد والتقت بفريق أمريكي كان يدرس مشكلة سوء التغذية هناك.
كما جمع مشاهير، من بينهم جورج كلوني وستيفن سبيلبرج وميا فارو، ملايين الدولارات لصالح النازحين في السودان. وساعدت موجة الاهتمام التي أبداها هؤلاء المشاهير —الذين لم يرد متحدثون عنهم على طلبات للتعليق بشأن هذا التقرير— في استمرار تدفق الأموال إلى المنطقة في السنوات التي أعقبت وصول أحمد وشقيقه وابن عمه مباشرة.
ووردت قصص مروعة من دارفور، حيث أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول نهاية عام 2010 لقي 300 ألف شخص حتفهم ونزح أكثر من مليوني شخص من ديارهم. وتسببت عمليات الجنجويد في دمار واسع في المناطق غير العربية مثل كورنوي، وهي مسقط رأس أحمد وصدام في شمال دارفور والقرية التي كان يعيش بها الهادى.
ولا يعرف أحمد وصدام كيف توفي والدهما في الهجوم، كل ما يعرفانه أنه لم ينج. وفقد الهادى عمه وتسعة أفراد آخرين من عائلته عندما هاجم مسلحو الجنجويد قريتهم وأشعلوا النار في منزله. ونزح مرتان ونفقت ماشيته بسبب العطش والبرد قبل أن يصل إلى الحدود التشادية.
وفي إيريديمي، ساعدت المساعدات الإنسانية في إطعامهم، وذهبوا إلى المدرسة. لكن اهتمام العالم بلاجئي دارفور تضاءل على مر السنين، وكذلك التمويل المخصص للمدارس والمبادرات الأخرى.
وفي عام 2004، وهو العام الذي انطلق فيه التمويل لأول مرة استجابة لحرب دارفور، قدمت جهات مانحة حكومية وخاصة 1257 دولارا لكل لاجئ، وفقا لتحليل أجرته رويترز لبيانات قديمة صادرة عن الأمم المتحدة وشبكة ألناب، بعد تعديلها لمراعاة التضخم بالقيمة الدولارية لعام 2024. وبحلول العام الماضي، انخفض هذا الرقم إلى 371 دولارا.
وقالت لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة غير حكومية تدعم اللاجئين في تشاد منذ أكثر من 20 عاما، إن انخفاض التمويل من القطاعين العام والخاص أجبرها على تقليص خدماتها، بما في ذلك في مخيم إيريديمي.
وقال آلان روسوكو، مدير لجنة الإنقاذ الدولية في تشاد “كل عام يتناقص ما لدينا أكثر فأكثر… وفي الوقت نفسه، يزداد عدد اللاجئين والمخيمات”.
وتواصل العائلات السودانية الفرار عبر الحدود إلى تشاد مع استمرار اشتعال القتال. ويخوض الجيش السوداني، الذي يسيطر على الحكومة، معارك أمام قوات الدعم السريع، وهي قوات شبه نظامية بقيادة عربية انبثقت عن الجنجويد. وتحولت هذه الحرب، التي تمثل صراعا على السلطة للسيطرة على البلاد ومواردها المالية، إلى بؤرة توتر اقليمية، حيث يُتهم المقاتلون من كلا الجانبين بارتكاب فظائع.
ولم يرد متحدثون باسم الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع على طلبات للتعليق.
- البحث عن حياة أفضل
يتبع أحمد وصدام والهادي سبلا مختلفة في محاولة التعامل مع النزوح الطويل.
وقال الهادي إنه سيواصل محاولاته للعثور على عمل.
أما صدام، البالغ من العمر 28 عاما وغير المتزوج، فقد قام بعدة محاولات محفوفة بالمخاطر بحثا عن حياة جديدة في مكان آخر. وقال إنه حاول مرتين السفر إلى أوروبا، لكن السلطات المصرية ألقت القبض عليه في المرتين. وبعد إحدى المرات، أمضى 10 أشهر في سجن بمصر. ويدرك الشاب أن فرص نجاح العبور ضئيلة، حيث يتطلب الأمر رحلة خطيرة بقارب عبر البحر المتوسط.
وقال “إنها رحلة الموت”. وفي ربيع هذا العام، قطع مسافة 1200 كيلومتر عبر البلاد إلى الحدود مع ليبيا والنيجر للعمل في التعدين وحفر الخنادق.
ويقول أحمد، وهو الوحيد الذي حاول العودة إلى السودان على الإطلاق، إنه لن يعود مرة أخرى حتى لو انتهت الحرب غدا. وبعد أن حاول ذلك مرة واحدة بالفعل، وخسر كل ما بناه، فلا ينوي أن يخسر مرة ثانية. لكنه قال “إذا وجدت أي مكان آخر أذهب إليه، فسأذهب غدا مع عائلتي”.
المصدر: رويترز
