يصور الديمقراطيون فوزهم الساحق في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي على أنه تفويض للتغيير، لكنهم يناقشون المدى الذي يريد الناخبون منهم الذهاب إليه.
وبعيدا عن الاتفاق العام على معالجة مسألة “القدرة على تحمل نفقات المعيشة”، يناقش الديمقراطيون ما إذا كان الناخبون قد منحوهم أيضا الضوء الأخضر لإجراء تحقيقات مكثفة مع الرئيس دونالد ترامب وعائلته أو السعي لعزله أو تبني أولويات تقدمية مثل برنامج الرعاية الصحية الحكومي الشامل المعروف باسم (ميديكير فور أول).
وظهر هذا الأسبوع توافق على عدد قليل من القضايا الكبرى التي يعتزم الديمقراطيون مباشرتها بمجرد انعقاد الكونغرس الجديد في يناير كانون الثاني ومن بينها جعل خطط الرعاية الصحية في إطار قانون (أوباماكير) أكثر يسرا، وإلغاء بعض التخفيضات التي أجراها ترامب على برنامج (ميديكيد)، وهو برنامج تأمين صحي حكومي للفقراء، وإنهاء الرسوم الجمركية التي لا تحظى بشعبية، ووضع حد لحرب إيران.
لكن لا تزال هناك نقاشات داخل الحزب في أعقاب النتائج الحاسمة التي تمخضت عنها انتخابات الثلاثاء، والتي أفرزت مزيجا يضم وجوها ذات ميول تقليدية وأخرى تتبنى نهجا وسطيا، فضلا عن جيل جديد من التقدميين الذين دأبوا على انتقاد القيادات التقليدية الحاكمة للحزب الديمقراطي.
واحتفى زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بهذا الفوز واصفا إياه بأنه إعادة تشكيل “على مستوى الأجيال”، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن حزبه لا يملك تفويضا مطلقا لطرح تشريعات تتجاوز تطلعات الأمريكيين.
وأكد هو وحكيم جيفريز، الذي في طريقه لأن يصبح رئيس مجلس النواب في يناير كانون الثاني، أن معالجة “أزمة تكاليف المعيشة” في الولايات المتحدة هي الأولوية القصوى للديمقراطيين.
وقال جيفريز ردا على سؤال من أحد الصحفيين بشأن ترامب “لم يتحدث معي أي عضو في الكتلة الديمقراطية بمجلس النواب عن مسألة العزل”.
هل هناك تفويض لبرنامج الرعاية الصحية للجميع؟
اعتبر كثير من الديمقراطيين الزلزال السياسي الذي وقع يوم الثلاثاء رفضا صارخا لترامب، ويرون أن الناخبين استجابوا لتركيزهم المستمر على مسألة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
لكن طوال الحملة الانتخابية، كان خبراء استراتيجيون ديمقراطيون ومسؤولو حملات يحذرون من أن مجرد الترشح لمعارضة ترامب لا يكفي، وحثوا المرشحين على تقديم جدول أعمال سياسي خاص بهم للناخبين.
وبرزت تكاليف الرعاية الصحية قضية رئيسية، لا سيما بعد أن سمح الجمهوريون العام الماضي بانتهاء صلاحية الدعم المالي الموسع لبرنامج (أوباماكير) الذي تم توفيره خلال فترة الجائحة. وأدى ذلك إلى ارتفاع أقساط التأمين بأكثر من 50 بالمئة وأجبر ملايين الأشخاص على التخلي عن خططهم المتعلقة بالصحة قبل أشهر قليلة من الانتخابات.
يعتقد القادة الديمقراطيون أن تمديد إعانات (أوباماكير) وإلغاء الاقتطاعات في برنامج (ميديكيد) قد يحظى ببعض الدعم من الجمهوريين، بحيث يكون من الصعب على ترامب استخدام حق النقض ضده. لكن ديمقراطيين كثيرين يعتقدون أن الحزب بحاجة إلى الذهاب لأبعد من ذلك والبدء في اتخاذ خطوات نحو (ميدكير فور أول)، الذي من شأنه أن يحل محل جميع برامج التأمين الصحي الخاصة أو معظمها، وهي قضية طالما أثارت الجدل داخل الحزب.
قال راندي فيليجاس، العضو الجديد في مجلس النواب، وهو تقدمي استطاع الفوز بمقعد كان يشغله الجمهوريون في كاليفورنيا، إنه ستكون هناك مخاطر في حالة عدم بذل جهود كافية بشأن القضايا الكبرى مثل الرعاية الصحية.
وأضاف في مؤتمر صحفي عبر الإنترنت للأعضاء الجدد الذين فازوا بمقاعد في دوائر انتخابية تنافسية “علينا أن نكون مستعدين لتقديم رؤية للناس نحو شيء أكبر. وبالنسبة لي، هذا يعني النضال من أجل أمور مثل الرعاية الصحية الشاملة”.
المساءلة عن “الفساد”
لم يكشف القادة الديمقراطيون عن خططهم للكونغرس الذي سينعقد في الأسبوع الأول من يناير كانون الثاني، لكن المقابلات التي أُجريت مع الأعضاء الجدد والعائدين أظهرت توافقا على ضرورة محاسبة ترامب والحد من تأثير أموال الشركات في السياسة.
وقال كريس فان هولين السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماريلاند، الذي ألمح إلى إمكان خوضه سباق الرئاسة في 2028، إن على الديمقراطيين العمل على تحقيق عدة أهداف في آن واحد من بينها محاسبة الإدارة على “فسادها الصارخ”، والسعي لإنهاء حرب إيران، والتوحد بشأن برنامج اقتصادي قوي يستهدف دعم الطبقة العاملة الأمريكية.
وأكد في مقابلة مع رويترز أنه ينبغي ألا يتوخى الديمقراطيون الحذر الزائد عن الحد عند ملاحقة الشركات الكبرى والمليارديرات وجماعات المصالح الخاصة، الذين يحملهم الناخبون المسؤولية عن جعل سبل العيش وكسب القوت أمرا أشد صعوبة.
لكن من المرجح أن تظهر انقسامات على أفضل السبل لمعالجة مسائل التفاوت المتزايد في الثروة والشركات التي رفعت أسعارها على المستهلكين. ويؤيد فان هولن وكثير من الديمقراطيين الآخرين فرض ضريبة على المليارديرات. لكن الناخبين في كاليفورنيا، وهي من معاقل الديمقراطيين، رفضوا يوم الثلاثاء اقتراحا كان من شأنه فرض ضريبة لمرة واحدة خمسة بالمئة على صافي ثروة المليارديرات، وواجه معارضة من الحاكم جافين نيوسوم، وهو ديمقراطي ومرشح رئاسي محتمل آخر لعام 2028.
وقال السناتور الأمريكي المنتخب جيمس تالاريكو، وهو ديمقراطي من تكساس، استهدفته حملة من أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك أُنفق فيها 230 مليون دولار، في خطاب النصر الذي ألقاه أمس الأربعاء، إن تفويض الحزب يجب أن يشمل إصلاحات في تمويل الحملات الانتخابية لإخراج “الأموال الضخمة من السياسة”.
جماعات المصالح
وفي اليوم التالي لهذه الانتخابات المهمة، بدأت جماعات المصالح بالفعل في وضع جدول أعمالها الذي ستطرحه في الكونغرس العام المقبل.
وقدمت مجموعة تضم نقابات عمالية، ومنظمات تدافع عن حقوق المهاجرين مثل “أمريكاز فويس” و”مؤسسة المجتمع اللاتيني”، بالإضافة إلى “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” ، بيانات قالت فيها إنها تثبت الدعم القوي الذي قدمته الأقليات للديمقراطيين في انتخابات يوم الثلاثاء، بعد أن تحول الكثيرون منهم نحو الجمهوريين في 2024.
ومن أهم القضايا التي تشغل الناخبين من الأقليات فرض قيود على استخدام مسؤولي الهجرة الاتحاديين القوة وزيادة الحد الأدنى للأجور على المستوى الاتحادي إلى 17 دولارا في الساعة، من 7.25 دولار حاليا، وهو المبلغ الذي تم تحديده في عام 2009، إضافة إلى توفير رعاية شاملة الأطفال.
وقال فان هولن في ختام حديثه “إنها نتيجة مذهلة من حيث اتساع نطاقها ومدى تأثيرها. إن انتخابات التجديد النصفي استفتاء على الحزب الحاكم، لكنني أعتقد أيضا أن هذه النتيجة كانت دعوة لنهج سياسي من نوع جديد”.
المصدر: رويترز
