شهدت القوة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حضورها العسكري والسياسي، مستفيدةً من جملة عوامل استراتيجية، في مقدّمها الدعم الأمريكي غير المحدود، إلى جانب سلسلة المواجهات التي خاضتها ضد المقاومة في غزة ولبنان، والاعتداءات المتكررة على سوريا وبعض الساحات العربية كاليمن وقطر، فضلًا عن المواجهة ما قبل الأخيرة مع إيران في حرب الإثني عشر يوماً، وما رافق ذلك من عمليات نوعية كاستهداف قيادات في قوى المقاومة.
وقد أسهمت هذه التطورات في ترسيخ انطباع بامتلاك إسرائيل قدرة على فرض تفوق عسكري وهيمنة إقليمية، لا سيما في ظل حالة التفكك والعجز التي يعاني منها النظام العربي. غير أن هذا المشهد، على الرغم من مظاهره، لا يعكس بالضرورة واقعًا مطلقًا، إذ تقابله قيود بنيوية تتصل بمحدودية القدرة على تحقيق مشاريع توسعية كـ“إسرائيل الكبرى”، وبالاعتماد العميق على الدعم الخارجي، إضافة إلى تحولات إقليمية كابحة تتمثل في صمود قوى موازِنة كإيران وتعافي المقاومة في لبنان وتداخل الساحات، فضلًا عن تحديات دولية وإعلامية متنامية تعكسها مؤشرات العزلة وتراجع الصورة في الرأي العام العالمي بفعل الإعلام الرقمي.
وفي ضوء هذا التداخل بين عوامل القدرة وحدودها، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت فعلًا في فرض هيمنتها على المنطقة، أم أن هذا التفوق يبقى نسبيًا ومشروطًا، وما هي الأهداف التي سعت إلى تحقيقها، ولا سيما في ما يتعلق بمشروع “إسرائيل الكبرى”، ومدى قدرتها على تحويل إنجازاتها الميدانية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.
أولًا: عوامل تضخيم القدرة لدى الكيان الإسرائيلي
- حالة التفكك أو العجز في النظام العربي
يشهد العالم العربي منذ عقود حالة من التفكك والتشرذم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمتد ذلك ليشمل مختلف مجالات الحياة بما فيها الأبعاد الثقافية والاجتماعية. ولم يتشكل هذا الواقع من فراغ، بل هو حصيلة تداخل مجموعة من العوامل التاريخية والبنيوية، في مقدمتها التدخلات والأطماع الاستعمارية التي أسهمت في إعادة تشكيل البنى السياسية والاجتماعية في المنطقة، بما أضعف قدرتها على تحقيق وحدة داخلية أو بناء مشروع جماعي متماسك.
وضمن مقال بعنوان “تراجيديا السياسة في الشرق الأوسط“، للباحثين حمزة المؤدّب ومحمد علي عدراوي، المنشور في 26 شباط 2026 عن مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، يشير إلى أن التفكك العربي يعود إلى مجموعة من العوامل البنيوية والإقليمية المتداخلة، في مقدمتها عجز دول المنطقة عن بناء نظام إقليمي مستقر أو التوصل إلى آلية جماعية لتنظيم العلاقات فيما بينها، ما أبقى الشرق الأوسط في حالة من عدم الاستقرار والتنافس المستمر.
كما يبرز المقال أن أفول مرحلة “السلام الأميركي” وتراجع دور الولايات المتحدة كقوة مهيمنة لم يؤدّ إلى نشوء بديل تنظيمي، بل خلق فراغًا استراتيجيًا زاد من حدة الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية. ويضاف إلى ذلك ضعف مؤسسات الدولة العربية وتضارب الطموحات والمصالح بين الفاعلين الإقليميين، إلى جانب الانقسامات الداخلية ذات الطابع الطائفي والإثني والإيديولوجي، والتي حدّت من إمكانية بناء موقف عربي موحد.
كما ساهمت التحولات التي أعقبت الانتفاضات العربية في تفاقم هذا الوضع، من خلال انهيار بعض الدول وصعود الفاعلين غير الدولتيين، ما عمّق حالة التشرذم وأضعف البنى السياسية القائمة. ووفق هذا السياق، فإن غياب التوافق الإقليمي بعد التحولات الكبرى في المنطقة رسّخ استمرار حالة التفكك، وجعل النظام العربي عاجزًا عن إنتاج إطار مستقر لإدارة الصراعات أو ضبط التوازنات الإقليمية.
- الدعم الأمريكي السياسي والعسكري غير المحدود
تُعدّ المساعدات الأميركية للعدو الإسرائيلي نموذجًا لما يُعرف بـ“المساعدات التدخلية” Interventionist Aid في العلاقات الدولية، إذ لا تقوم على اعتبارات إنسانية، بل على شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين الطرفين.
وتستند هذه العلاقة إلى جملة عوامل أبرزها المصالح الجيوسياسية الأميركية في الشرق الأوسط، والتقاطع الاستراتيجي في مواجهة التهديدات المشتركة، إضافة إلى تأثير السياسة الداخلية الأميركية واللوبيات الداعمة لإسرائيل. وقد تناول فادي نحاس هذه الإشكالية في دراسته “المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً”، مشيرًا إلى الطابع البنيوي والمتجذر لهذه المساعدات في السياسة الخارجية الأميركية.
وتتجلى أهمية هذه المساعدات أساسًا في الجانب العسكري، حيث تشكّل المصدر الرئيسي لتمويل جيش العدو الإسرائيلي، عبر برامج التمويل العسكري الأجنبي، والدعم في مجالات الدفاع الصاروخي، والمساعدات العينية، والتعاون في إنتاج وتطوير الأسلحة. كما تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل باستخدام مخزوناتها العسكرية وتدعم دمج الصناعات الإسرائيلية ضمن سلاسل الإنتاج الدفاعي الأميركي، ما يعزز القدرات التكنولوجية لجيش العدو.
وقد تطور هذا الدعم عبر مراحل زمنية مختلفة، إذ تحول من قروض إلى هبات، ثم إلى اتفاقيات طويلة الأمد (مذكرات تفاهم) تُجدّد كل عشر سنوات، بلغت قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، مع تركيز متزايد على الدعم العسكري وإلغاء المساعدات الاقتصادية تدريجيًا. كما تضمنت هذه الاتفاقيات ضمان استمرار “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل في المنطقة.
وخلال الحروب والأزمات، خصوصًا بعد عام 2023، تصاعد حجم الدعم الأميركي بشكل غير مسبوق، سواء عبر الجسر الجوي والبحري للأسلحة أو عبر الدعم السياسي والعسكري المباشر، ما عزز مكانة إسرائيل في المواجهات الإقليمية.
وفي المقابل، لا تقتصر المساعدات على جانب واحد، إذ تحقق الولايات المتحدة بدورها فوائد استراتيجية، أبرزها تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، والحصول على خبرات عسكرية واستخباراتية متقدمة من إسرائيل، وتطوير صناعاتها الدفاعية عبر الشراكة معها. كما تساهم هذه العلاقة في تمكين إسرائيل من لعب دور حليف إقليمي قادر على حماية المصالح الأميركية.
وخلاصة القول، فإن المساعدات الأميركية لإسرائيل تشكل نظام دعم استراتيجي شامل متعدد الأبعاد، يجمع بين التمويل العسكري، والتكنولوجيا، والحماية السياسية، ويعكس علاقة تحالف عميقة تتجاوز مفهوم المساعدات التقليدية لتصبح جزءًا من بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
ثانيًا: القيود البنيوية التي تواجه مشروع الكيان الإسرائيلي
- محدودية القدرة على تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”
تُجمع الدراسات الأكاديمية على أن مشروع الكيان الإسرائيلي ، رغم كل ما يمتلكه من تفوق عسكري وتكنولوجي، يواجه قيودًا بنيوية تحدّ من قدرته على التحول إلى مشروع هيمنة إقليمية مكتمل. وفي هذا السياق يبرز الكاتب ماهر الشريف في كتابه في الفكر الصهيوني: الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين الصادر عن مركز الدراسات الفلسطينية فإن التصورات التوسعية المبكرة في الفكر الصهيوني “اصطدمت لاحقًا بواقع ديمغرافي وسياسي معقّد في فلسطين والمنطقة”، ما يعكس الفجوة بين الطموح الأيديولوجي والواقع الجيوسياسي.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مشروع الكيان الإسرائيلي يتحرك ضمن معادلة مزدوجة: تفوق عسكري متقدم من جهة، وقيود بنيوية داخلية وخارجية من جهة أخرى، تجعل من طموحات الهيمنة الإقليمية مشروعًا غير مكتمل ومشروطًا باستمرار الدعم الخارجي وتوازنات البيئة الإقليمية.
في هذا السياق، يقدّم تحليل فرناز عطية في مقاله المعنون “ما كانت إسرائيل تضمره في الخفاء أصبحت الآن …” قراءةً نقديةً لطبيعة مشروع الكيان الإسرائيلي التوسعي، حيث يبرز أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان “إسرائيل الكبرى” يعكس انتقالًا من الخطاب الضمني إلى الجهر العلني بالأهداف التوسعية. غير أن هذا الطرح، بحسب مضمون المقال، يصطدم بجملة من القيود البنيوية والواقعية التي تحدّ من إمكان تحوّله إلى مشروع قابل للتطبيق الفعلي على الأرض.
فمن جهة أولى، يشير التحليل إلى أن البيئة الإقليمية المتردية لا تعني بالضرورة قدرة العدو الإسرائيلي على فرض وقائع جيوسياسية جديدة، إذ إن تعقّد البنية الإقليمية وتعدد مراكز القوة والفاعلين يجعل من الصعب تحقيق سيطرة شاملة أو إعادة تشكيل خرائط المنطقة وفق رؤية العدو التوسعية. ومن جهة ثانية، يبرز عامل المقاومة الإقليمية وتباين المصالح بين الدول كعنصر كابح لأي مشروع هيمنة ممتد.
- الاعتماد البنيوي على الدعم الخارجي (خصوصًا الولايات المتحدة)
وبالانتقال من هذا المستوى التحليلي الذي يبرز القيود البنيوية لمشروع الكيان الإسرائيلي بصورة عامة، يمكن التوسع في تفكيك هذه القيود ضمن مستوييها الإقليمي والدولي، حيث يوضح تحليل فرناز عطية أن الطموحات التوسعية، رغم انتقالها من الخطاب الضمني إلى العلن، تبقى محكومة بتعقيدات البيئة الإقليمية وتوازنات القوى وتعدد الفاعلين، وهو ما يحدّ من إمكانية ترجمتها إلى وقائع جيوسياسية مستقرة على الأرض، ويُعمّق الفجوة بين التصورات الأيديولوجية وإمكانات التنفيذ الفعلي.
وفي الإطار ذاته، يضيف المقال بُعدًا بنيويًا أكثر شمولًا يتمثل في ارتباط هذه الطموحات بميزان القوى الدولي، ولا سيما الاعتماد على الدعم الأميركي السياسي والعسكري، الأمر الذي يجعل قدرة إسرائيل على التحرك الاستراتيجي غير مستقلة أو مطلقة، بل مرهونة بسقف هذا الدعم وحدوده. وبذلك، يغدو مشروع “إسرائيل الكبرى” أقرب إلى تصور أيديولوجي ذي طابع سياسي–ديني، أكثر من كونه مشروعًا استراتيجيًا قابلًا للتحقق ضمن المعطيات الجيوسياسية القائمة.
تبرز الجبهة الشمالية بعد وقف إطلاق النار كأحد أهم مظاهر القيود البنيوية على قدرة الكيان الإسرائيلي، في ظل تصاعد أزمة الثقة داخل المجتمع، وانتقال الخطاب من الاحتجاج إلى مستوى وجودي يشكك بجدوى البقاء. وقد ترافق ذلك مع مطالب أمنية قصوى تعكس فقدان الثقة بالقيادة، إلى جانب توتر في مواقف السلطات المحلية. كما أظهرت شهادات الجنود حالة من الانقسام والضبابية الاستراتيجية، ما يكشف عن فجوة متنامية بين المستويات السياسية والعسكرية والمجتمعية. وبذلك، تشكّل هذه المعطيات مؤشرًا على محدودية قدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار استراتيجي مستدام.
ثالثًا: التحولات الإقليمية الكابحة
- صمود إيران كقوة إقليمية موازِنة
في ظل صراع النفوذ الإقليمي والدولي، تبرز الجمهورية الاسلامية الايرانية كقوة لا يُقاس حضورها فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على امتصاص الضغوطات وتحويلها إلى عناصر تماسك داخلي وصمود استراتيجي. وقد نجحت، رغم العقوبات والحصار الممتد، في إعادة صياغة معادلة المواجهة عبر تعزيز الجبهة الداخلية وبناء امتدادات إقليمية تعكس عمقًا في مفهوم الردع والدور الإقليمي.
ويمكن فهم صمود إيران أمام العدوان الاميركي الصهيوني بوصفه نتاجًا لمنظومة مركبة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، بما يجعل هذا الصمود أقرب إلى بنية استراتيجية منه إلى حالة ظرفية عابرة، وهو ما يشير إليه الباحث الجزائري عبد الوهاب جعيجع المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في قراءته المعنونة “سرّ الصمود الإيراني ” فعلى المستوى الداخلي، نجحت الدولة في بناء جبهة اجتماعية وسياسية متماسكة، رغم التعددية الكبيرة التي تميز البنية الإيرانية. كما أسهمت الذاكرة التاريخية السلبية تجاه التدخلات الغربية في تعزيز مستوى الالتفاف الداخلي، حيث جرى إدراك التهديد الخارجي بوصفه خطرًا وجوديًا يطال الدولة والمجتمع معًا.
إلى جانب ذلك، يبرز الكاتب عبد الوهاب جعيجع عامل الاستعداد الاستراتيجي والتخطيط العسكري المسبق، حيث اعتمدت إيران على قراءة دقيقة لموازين القوى وتطوير أدوات غير تقليدية في إدارة الصراع، تقوم على استنزاف التفوق التكنولوجي لدى الخصوم وتعطيل منظومات الرصد والردع، مع توظيف الجغرافيا الوعرة ومضيق هرمز كورقة ضغط عسكرية واقتصادية ذات بعد إقليمي ودولي.
أما على المستوى الخارجي، فقد استفادت إيران من تقاطع المصالح مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، ما أتاح لها هوامش دعم سياسي واستخباراتي غير مباشر، وأسهم في تقليص فرص عزلها دوليًا، خصوصًا في ظل اعتماد هذه القوى على استمرار دور إيران في معادلات الطاقة والتوازنات الجيوسياسية.
وبذلك، يخلص الكاتب عبد الوهاب جعيجع إلى أن صمود إيران يعكس تفاعلًا معقدًا بين تماسك داخلي، ومرونة استراتيجية، واستثمار ذكي للتحالفات الدولية، ضمن بيئة إقليمية صراعية تتداخل فيها مشاريع القوة والردع ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.
- تعافي المقاومة في لبنان وتداخل الساحات (“وحدة الساحات”)
في سياق إقليمي يتسم بتصاعد المواجهة وتعدد ساحات الاشتباك، برزت المقاومة في لبنان كفاعل أساسي أعاد ترتيب قدراته الميدانية والتنظيمية تحت ضغط التحديات العسكرية والسياسية. ويأتي هذا المسار ضمن دينامية أوسع تتداخل فيها اعتبارات الردع وإعادة التموضع في مواجهة مشروع الكيان الإسرائيلي وتداعياته الإقليمية.
استطاعت المقاومة، خلال فترة خمسة عشر شهرًا، أن تشهد مسارًا من النهوض والتعافي، عملت خلاله على إعادة بناء قدراتها على المواجهة والاستمرار في العمل العسكري، رغم ما تعرضت له من ضغوط عسكرية وسياسية خلال هذه الفترة، سواء من العدو الإسرائيلي أو من الحكومة اللبنانية.
وقد بدا هذا التعافي واضحًا من خلال عودة المواجهة مع العدو الإسرائيلي في 2 آذار 2026، حيث يُنظر إلى هذا المسار بوصفه عاملًا أسهم في عرقلة الجهود العدو الاسرائيلي الرامية إلى فرض الهيمنة والسيطرة على جنوب لبنان، كما حدّ من طموحات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو التوسعية وفرملة اندفاعاته في تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط” وهو الشعار الذي رفعه بنيامين نتنياهو في سياق خطابه السياسي.
كما ساهم في تعزيز هذا التعافي وصموده ما يُعرف بـ“وحدة الساحات” بين جبهات لبنان وإيران واليمن، الأمر الذي انعكس على طبيعة المواجهة مع مشروع الكيان الإسرائيلي ، ورفع من مستوى التماسك بين أطراف هذا المحور في مواجهة التطورات الإقليمية.
وفي السياق نفسه، كان قد أشار سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى أن المقاومة في لبنان استطاعت أن تشهد “تعافيًا جهاديًا” على المستويين التنظيمي والعسكري، وذلك خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لاستشهاد سماحة الأمين العام السيد حسن نصر الله، مؤكدًا أن المقاومة استعادت قدرتها على الترميم وإعادة بناء جاهزيتها. واعتبر أن هذا التعافي يعكس استمرار الحزب في رفع مستوى الاستعداد لمختلف سيناريوهات المواجهة مع إسرائيل، بما يكرّس حضوره كقوة قادرة على الاستمرار في الدفاع والمواجهة رغم التحديات والضغوط القائمة.
رابعًا: التحديات الدولية والإعلامية
- تنامي العزلة الدولية
في السياق الدولي الراهن، تشير التحليلات التي أوردتها صحيفة The Guardian البريطانية الى تحوّلات متسارعة في الموقف الأوروبي تجاه إسرائيل، حيث باتت الأخيرة تواجه تراجعًا تدريجيًا في مستوى الدعم التقليدي داخل عدد من العواصم الأوروبية، في ظل تصاعد النقاشات المرتبطة بالحرب في غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية. ويُلاحظ في هذا الإطار تزايد التباين داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تبنّت بعض الدول مواقف أكثر انتقادًا لسياسات العدو، وطرحت دعوات لمراجعة آليات التعاون أو إعادة تقييم العلاقات الثنائية، في مقابل استمرار مواقف داعمة أو متحفظة من دول أخرى، الأمر الذي عمّق الانقسام الأوروبي وجعل من الصعب بلورة موقف موحد تجاه إسرائيل.
كما أسهمت التحولات في الرأي العام الأوروبي، المتأثر بصورة الصراع عبر الإعلام الرقمي والتغطيات الميدانية، في زيادة الضغوط على الحكومات الأوروبية، ودفعها نحو مواقف أكثر حذرًا أو توازنًا، بما يعكس اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية واتجاهات الرأي العام في العديد من الدول الأوروبية.
- . تراجع الصورة في الرأي العام العالمي بفعل الإعلام الرقمي
في ظل تصاعد الجدل الدولي حول طبيعة التغطية الإعلامية للصراع في منطقة الشرق الاوسط، وخصوصاً الأحداث التي تجري في فلسطين ولبنان، تبرز وسائل الإعلام الأوروبية كفاعل أساسي في إعادة تشكيل صورة الأحداث وتفسيرها. ويأتي هذا السياق ليعكس تزايد التوتر بين رواية العدو الإسرائيلي وبعض المنابر الصحفية الغربية حول طريقة عرض هذه الوقائع.
في هذا الصدد أثار غلاف مجلة L’Espresso الإيطالية جدلًا واسعًا بعد نشره صورة لمستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية وهو يبتسم بسخرية ويوجّه هاتفه نحو امرأة فلسطينية، ما اعتبرته إسرائيل إساءة وتشويهًا للواقع. وقد أدان السفير الكيان في إيطاليا جوناثان بيلِد هذا النشر، معتبرًا أنه يروّج للصور النمطية ويغذّي خطاب الكراهية.
في هذا السياق، يقدّم الدكتور إياد عبيد، المتخصص في الدعاية الصهيونية ونظريات التأثير الإعلامي والتسويق السياسي في الإعلام في مقابلة لموقع المنار الإلكتروني، قراءة تحليلية معمّقة لتحولات الرأي العام العالمي في ظل الحروب الأخيرة في المنطقة. إذ يرى الدكتور إياد عبيد أن العزلة الدولية التي بدأت تتشكل تجاه الكيان الصهيوني، ولا سيما على المستوى الشعبي في أوروبا، تعكس تحولًا نوعيًا في إدراك الجمهور العالمي لطبيعة الصراع، حيث كان الرأي العام أكثر سرعة من الحكومات في التفاعل مع الأحداث، مدفوعًا بما نقلته وسائل الإعلام، وخاصة الإعلام الرقمي، من صور ووقائع تتعلق بحجم الدمار والضحايا في غزة.
ويشير الدكتور إياد عبيد إلى أن هذا التحول لم يكن عفويًا بالكامل، بل جاء نتيجة انهيار سردية إعلامية صهيونية استمر بناؤها لعقود طويلة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، سعت إلى تكريس صورة إسرائيل كدولة قانون وعدالة. إلا أن التدفق الكثيف للصور والمشاهد التي توثق عمليات القصف والتدمير وسياسات الأرض المحروقة، أسهم في تقويض هذه الصورة، وكشف ما يصفه الدكتور إياد عبيد بـ”الفجوة بين الخطاب الدعائي والواقع الميداني”.
وفي تحليله، يلفت الدكتور إياد عبيد إلى الدور الحاسم للإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذا التحول، إذ باتت هذه الوسائل قادرة على تجاوز القيود التقليدية للإعلام، ونقل الأحداث بشكل فوري ومباشر، ما أتاح للرأي العام العالمي التفاعل بصورة أكبر، وهو ما تُرجم بخروج مظاهرات واسعة في عدد من العواصم الأوروبية، وامتدادها إلى مناطق أخرى من العالم.
ومن منظور نظريات التأثير الإعلامي، يؤكد الدكتور إياد عبيد أن العامل الأكثر فاعلية في تشكيل الرأي العام يتمثل في توظيف البعد العاطفي والإنساني، حيث إن التركيز على صور الضحايا، من أطفال ونساء ومدنيين، يملك قدرة عالية على التأثير في الوعي الجمعي، وإعادة توجيه المواقف. وفي المقابل، يشير الدكتور إياد عبيد إلى أن بناء صورة “المقاومة” بوصفها فاعلًا يتصدى للعدوان ويقدّم تضحيات، يشكّل عنصرًا مكمّلًا في إعادة تشكيل هذا الوعي، خاصة عندما يتم نقله عبر الإعلام الإلكتروني ضمن سياقات تفاعلية كالنقاشات والمناظرات.
كما يتوقف الدكتور إياد عبيد عند تأثير المواجهات الإقليمية، ولا سيما مع إيران، معتبرًا أن هذه المواجهات أعادت طرح تساؤلات مركزية لدى الرأي العام العالمي حول طبيعة الصراع، وتحديد الطرف المعتدي. ويشير إلى أن الرد الإيراني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تبعه من ارتباك في داخل الكيان، ساهم في إعادة توجيه النقاش الدولي، خصوصًا مع بروز مسألة السلاح النووي للعدو الإسرائيلي كأحد الملفات المسكوت عنها إعلاميًا.
يرى الدكتور إياد عبيد أنه، رغم نجاح وسائل إعلام المقاومة في نقل بعض الوقائع، فإنها مدعوة إلى عدم الإكتفاء بالخطاب الدفاعي، والعمل على بناء استراتيجية إعلامية هجومية منظمة، لا سيما في ما يتعلق بملف السلاح النووي للكيان الإسرائيلي.
وبناءً على ذلك، يخلص الدكتور إياد عبيد إلى أن الإعلام الرقمي بات يشكّل ساحة مركزية في الصراع، ليس فقط لنقل الأحداث، بل لإعادة تشكيل الوعي العالمي، وأن فعاليته ترتبط بقدرته على الجمع بين البعد العاطفي والخطاب الاستراتيجي، بما يتيح الانتقال من ردّ الفعل إلى التأثير وصناعة الاتجاهات.
خامساً : قدرة العدو الإسرائيلي بين حدود الهيمنة وتفاعلات الداخل والخارج
في ضوء المعطيات السابقة، يتضح أن القدرة للكيان الإسرائيلي، رغم ما أظهرته من تصاعد في الفعل العسكري وتوسّع في دوائر الاشتباك، لا يمكن قراءتها بوصفها قوة هيمنة مكتملة، بل كقوة تعمل ضمن حدود بنيوية وإقليمية ودولية متشابكة. فالتفوق العسكري المدعوم خارجياً، والمستند إلى اختلالات النظام الإقليمي، يصطدم بعوامل كابحة متعددة، من بينها صمود قوى موازِنة كإيران، وتعدد ساحات المواجهة، وتنامي الضغوط الدولية والإعلامية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال البعد الداخلي داخل بنية الكيان نفسها، حيث تشير المؤشرات إلى تصاعد إشكالات الثقة المجتمعية، وتزايد الانقسام بين المستويات السياسية والعسكرية والمجتمعية، بما يعكس وجود هشاشة داخلية نسبية تحدّ من قدرة هذا التفوق العسكري على التحول إلى استقرار استراتيجي طويل الأمد. وبذلك، فإن ما يبدو كتوسّع في النفوذ لا يتجاوز كونه تفوقًا وظيفيًا مشروطًا، محكومًا بتوازنات خارجية متحركة وتوترات داخلية بنيوية، ما يجعل مستقبل هذا التفوق أقرب إلى إعادة إنتاج عدم الاستقرار منه إلى ترسيخ هيمنة إقليمية حاسمة.
محمد أحمد حمود – باحث في التاريخ
المصدر: موقع المنار
