الأربعاء   
   06 05 2026   
   18 ذو القعدة 1447   
   بيروت 23:16

عندما يصبح السفير حاكما بأمره

نيبال رعد – باحثة سياسية

توافقت الدّول فيما بينها على بروتوكولات دبلوماسيّة أساسيّة، تنظم عمل السفارات والبعثات الدبلوماسيّة، بحيث تخضع الأصول البروتوكوليّة لتعامل السفراء في لبنان لمزيج من اتفاقيّة فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة (1961) والأعراف والتقاليد اللبنانيّة العريقة التي تديرها مديريّة المراسم ( المراسم والعلاقات العامّة)، في وزارة الخارجيّة والمغتربين بالإضافة الى المديريّة العامّة للمراسم في رئاسة الجمهوريّة.

وتفصل “شعرة ” بين حقّ السفير في التحدّث والتعليق على أحداث البلد المضيف، وبين تمثيل مصالح دولته وبين المبدأ القانوني الصّارم الذي تنص عليه المادة 41 من اتفاقيّة فيينا للعلاقات الدبلوماسيّة، التي تلزم الدبلوماسيين بـ “عدم التّدخّل في الشؤون الداخليّة للدولة المضيفة.

هذه الشعرة التي قطعها السفير الأمريكي في لبنان ” ميشال عيسى”، الذي طالع اللبنانيين بمطالعة تحمل في طيّاتها تدخلا سافرا في شؤون الدّولة اللبنانيّة واللبنانيين، وتعمل على طرح ملفات حساسة بطريقة فجّة، وتعمّق الشّرخ بين أبناء الوطن الواحد بدل رأبه.

لقد أبدع السفير الأمريكيّ في إثارة الفتنة الداخليّة، والنّعرات الطّائفية في معرض دفاعه عن البطريرك الراعي – الذي نرفض كمجتمع مقاوم أن يتم التّطاول على شخصه ، كما أي قامة دينيّة أخرى في لبنان – عندما قال متجاوزا كلّ اللياقات واللغة الدبلوماسيّة ” فليبحثوا عن بلد آخر”. جملة مفخخة تحمل الكثير من الحقد والطائفيّة، والانحياز ، تؤثّر على التوازنات الدّاخليّة المعقّدة أصلا، وتظهر مصادرة واضحة للسيادة اللبنانيّة، وتحمل وقاحة سياسيّة ما يعمّق الانقسام القائم في لبنان. ففي حين يخرج الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم ليؤكّد على الوحدة الوطنيّة وأنها السبيل الأساسيّ للتغلب على العدوان ولحفظ سيادة الوطن وكرامة شعبة، نرى السفير الأمريكيّ وجوقة المطبّلين له يعملون على زيادة الفرقة والشرخ الذي يعود أصله لذلك النفس الأمريكي الصهيوني في البلد.

ولا يكتفي بذلك، بل يصف رئيس حكومة العدو بالمفاوض الثّاني، في محاولة منه لكسر المحرّمات، التي حرّمها الدستور والقانون وميثاق الطّائف، وفي محاولة منه لتغيير سقف النقاش السياسي الدّاخلي، والدّفع نحو خيارات كانت وما زالت مرفوضة من أغلبيّة اللبنانيين وخاصة الشرفاء والوطنيين منهم.

وفي مقارنة بسيطة، تظهر حجم الانبطاح الرسمي أمام الحاكم بأمره الأمريكي، بين تصرف الرسمي للمعنيين في الحكومة مع السفير الأمريكي، والسفير الإيراني ، نجد أن لا اجراءات رسميّة اتخذت في حق السفير الأمريكي، واعتقد كمواطنة تعرف تماما حجم التخاذل الحكومي في هذه الولاية من رؤساء الوصاية، حيث أننا لم نر أي رد فعل رسمي تجاه السفير الأمريكي الذي أقل ما يستوجب استدعاءه واعتباره شخصا غير مرغوب فيه. لكن هيهات .

أما السفير الإيراني، والمعروف بلغته الدبلوماسية، فنرى الاجراءات السياسيّة تتحرك وتصدر بأسرع من انتشار الكلام نفسه. وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ الدّولة اللبنانيّة لا تتعامل مع السفراء وفق مبدأ موحّد، بل وفق ميزان القوّة والتأثير( وفق ميول السلطة ) لكلّ دولة داخل لبنان. وهذا يؤدي الى ازدواجيّة المعايير، ويدل على تعامل براغماتي تحكمه المصالح الشخصية والطائفية والضغوط الخارجيّة.

وهذا ما يزيد من تبلور صورة السلطة الضعيفة، التي لا تمارس صلاحياتها من موقع القوي، بل من موقع من لا يملك الثقة بالنفس، ومن يعكس ضعفا كبيرا في هيبته، وفي موقعه كمؤثر يمتلك أوراق قوّة تمكّنه من ممارسة كامل سلطته بالتوازي والتوازن، وتحفظ هيبته كبلد يرفع شعار السيادة والاستقلال.

أمام هذا الواقع المؤلم لنا كلبنانيين، ندعو السلطة الى توحيد القرار السيادي ، ووضع بروتوكول واضح للتعامل مع السفراء،لا يرتكز على الردود الارتجاليّة ولا يختلف باختلاف الجهة.

كما نتمنى عليها أن تعمل على عدم الاستقواء بالخارج في الصراعات الداخليّة. حينها فقط تصبح سلطة تستحق ممارسة الحكم، وتولي ادارة شؤون البلاد. وإن لم تفعل فلا حاجة لنا بهكذا سلطة.

المصدر: موقع المنار