السبت   
   09 05 2026   
   21 ذو القعدة 1447   
   بيروت 14:49

دراسة| محور المقاومة والردع الإقليمي المشترك

يُعرَّف الردع الممتد (Extended Deterrence) نظريًا بأنه الحالة التي تتعهد فيها دولة ما (الرادع) باستخدام قوّتها العسكرية، لحماية حليف لها -الطرف الثالث- من هجوم تشنّه دولة معادية. وفي حين يصف توماس شيلينغ (Thomas Schelling) الردع عمومًا بأنه “فن التهديد الذي لا يُنفَّذ طالما نجح في تغيير حسابات الخصم”، يكمن جوهر الردع الممتد عنده في قدرة الدولة الحامية (الرادع) على إقناع الخصم بأنها ستتدخّل وجعل كلفة الهجوم على الحليف أكبر من فوائده بالنسبة للمعتدي. وباختصار، يقوم جوهر الردع الممتد على وجود طرف ثالث يهدد الخصم أو داعمه لمنعه من الاستفراد بساحة حليفة. ويرتكز الردع الممتد وفق منظور زاغاري وكيلغور في كتابهما “الردع المثالي” على الجمع بين القدرة العسكرية، والإرادة السياسية الواضحة، والتواصل الفعّال لضمان وصول رسالة الردع الممتد؛ ومفادها أن “المساس بالحليف هو مساس بالرادع نفسه”.

وتُعدّ التجربة العملياتية لمحور المقاومة نموذجًا مركّبًا يتجاوز الشكل التقليدي للردع الممتد، حيث تتداخل فيه ترتيبات ردعية متعددة بين إيران وساحات العراق واليمن ولبنان. ويمكن توصيف هذه الحالة بأنها شبكة من ترتيبات الردع الممتد التي تُنتج في مجموعها نمطًا من الردع المتبادل الإقليمي، بما ينسجم مع مفهوم “الالتزام المترابط” (Coupling) لدى شيلينغ.

من الناحية المفاهيمية، لم يعد الردع هنا محصورًا في حماية الدولة لنفسها،  حيث بات يدرك الطرفان الأمريكي والإسرائيلي أن أي استهداف لساحة قد يؤدي إلى ردود فعل من الساحات الحليفة. وتطبيقيًا، تجلى هذا في “وحدة الساحات” التي عزّزت مصداقية التهديد” (Credibility)  وفق رؤية روبرت جيرفيس، التي تركّز على “الإدراك”، أي على مدى تصديق الخصم بأنّ الرادع سينفّذ التهديد فعلًا، لا الاعتماد على امتلاك القدرة العسكرية فقط. وقد أظهرت تجربة وحدة الساحات في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران هذه المصداقية من خلال التلازم العملي بين مختلف الجبهات، والتنسيق والدقة في توزيع الاستهدافات.

وإذ تتفاوت درجة مصداقية التهديد بين ساحة وأخرى تبعًا لمعايير خاصة بكل ساحة، إلا أنه تم تطبيقها في كل الساحات حيث أثبتت التوترات الأخيرة أن محور المقاومة بساحاته الأربعة (إيران، العراق، لبنان واليمن) كان على درجة عالية من التنسيق السياسي والعملياتي والتشغيلي، وعكس رسالة واضحة لجميع المراقبين: المحور خضع لعملية ترميم وتعافٍ، وما زال قادرًا على تقديم الدعم والإسناد عند الضرورة ووفق الحاجة في سياق قرار مدروس، لا ردٍّ آليٍّ. من هنا، تصبح معادلة “المساس بجبهة واحدة قد يحرك بقية الجبهات” موثوقة، وفق التقديرات والتقييمات الخاصة لكل منها. بالنسبة للساحة اللبنانية، لم تتوقّف الانتهاكات لقرار 1701 على مدى 15 شهرًا، واستمرت بمسار تصاعدي، ما خلق مساحة من المصلحة المشتركة، بدوافعها وأسبابها وعناصر قوتها. الساحة العراقية أظهرت قدرة عالية على التحرك وفق رؤية ضرورة حماية المنطقة وأمن الجوار الإقليمي مع الحفاظ على تماسك الساحة الداخلية، وكذلك فعل اليمن، وإن سجّل تدخلًا أقل في سياق بعث رسالة تؤكّد على الوحدة لكن مع ادّخار التوقيت المناسب وفق تطورات الأحداث ومجرياتها. 

بهذا المعنى، يشهد “الردع الممتد” تطوّرًا من مظلة تقليدية من الدعم والتدخل إلى بنية شبكية متعددة الساحات من التهديدات المتبادلة. وقد نجح المحور في إقناع أطراف الصراع بأن أي تصعيد ضد أحد أطرافه هو تصعيد ضد الكلّ، محولًا الردع الممتد من “مظلّة نووية” إلى “مظلّة صواريخ ومسيرات” عابرة للحدود، تعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة بعيدًا عن الهيمنة التقليدية.

يظهر مفهوم “الردع الممتد” أو الإقليمي المشترك جليًّا من الناحية الوظيفية في ساحات محور المقاومة (إيران، لبنان، العراق، واليمن) عبر منطق حماية الساحات الحليفة، نقل كلفة الحرب إلى الخصم والداعم (الأمريكي/الإسرائيلي)، وتوسيع نطاق التهديد بحيث لا تبقى المواجهة محصورة بجبهة واحدة. وينعكس الردع الممتد في تفاعل الجبهات الأربع في معادلة ردع إقليمية متبادلة: كل تصعيد في ساحة يستدعي ضغطًا في ساحة أخرى. فيظهر الردع الممتد في العراق التي مثّلت جبهة إسناد وحماية غير مباشرة لإيران ولبنان وفلسطين؛ وفي الساحة اليمينة التي جعلت من دخولها الحرب تهديدًا استراتيجيًّا يوسّع الحرب ويستنزف الدفاعات ويضغط على الاقتصاد الإسرائيلي والعالمي، وفي الجبهة اللبنانية التي ارتبطت مع الجبهة الإيرانية في المسار التفاوضي كما العسكري. فايران أظهرت أنها الرادع الرئيسي بالنسبة للبنان على الأقل، في عملية “العصف المأكول”، التي بدأتها المقاومة بالتزامن مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي في محاولة لتغيير المعادلات الجارية منذ تشرين الأول 2024، تاريع الهدنة المزعومة. وعلى عكس الافتراض بأن لبنان ليس لديه دور في الردع الممتد، ساهمت جبهة المقاومة ي تفعيل مفهوم الردع الممتد وتشتيت القدرات العسكرية للخصوم، رغم المعارضة الرسمية اللبنانية لهذه المشاركة.

تمحور ردع المحور للكيان المؤقّت حول “توازن الرعب” وضرب العمق والتهجير السكاني واستنزاف الجيش بريًّا، بينما قام ردع المحور لأمريكا على رفع كلفة الوجود في المنطقة، عبر استهداف القواعد والمصالح الاقتصادية (البحر الأحمر) وخلق ضغط سياسي داخلي في واشنطن يدفعها لتقييد حركة الكيان تجنّبًا للمزيد من التورّط الأمريكي المباشر.

المصدر: يوفيد