الإثنين   
   24 08 2026   
   11 ربيع الأول 1448   
   بيروت 00:39

“ذا أتلانتيك”: القوة المهيمنة في الشرق الأوسط لن تكون الولايات المتحدة أو إسرائيل بل إيران

بقلم: روبرت كاغان / مجلة ذا أتلانتيك

لسنوات طويلة، واجهت إيران توازناً للقوى في الشرق الأوسط ينحاز ضدها؛ حيث كانت المنطقة تحت سيطرة قوة أمريكية عظمى معادية، وإسرائيل المتفوقة عسكرياً والمسلحة نووياً، إلى جانب أطراف إقليمية بارزة — كمصر والسعودية والإمارات — التي كانت متحالفة استراتيجياً واقتصادياً مع الولايات المتحدة.

اليوم تجد إيران نفسها في ظروف جديدة تماماً. لقد خاضت مواجهة مباشرة مع القوة العظمى وإسرائيل، وصمدت أمام ضربات موجعة بأحدث أسلحتهما، بل وتجاوزت مرحلة البقاء إلى ما هو أبعد من ذلك. ونتيجة لذلك، تمكنت إيران من إعادة تشكيل هيكل القوة في الشرق الأوسط والخليج العربي بشكل كامل. القوة المهيمنة في المنطقة مستقبلاً ستكون إيران، وليس الولايات المتحدة أو إسرائيل. وقد بدأت الدول المجاورة بالفعل في التكيف مع هذا الواقع الجديد، وستتبعها القوى الأكثر بعداً. لسنوات، كان العالم يتعامل مع إيران مُكبّلة ومُقيدة، أما الآن فستكتشف الشعوب كيف تبدو “إيران بلا قيود”.

لا تحتاج إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. فقد أثبت الانطباع الشائع — بأن إيران الضعيفة والمفتقرة إلى الموارد ستضطر في النهاية إلى التكيف مع القوة الأمريكية، وفتح مضيق هرمز، والالتفات لمعالجة اقتصادها المتضرر بشدة — أنه كان خطأً. في فبراير/شباط 2025، جدد ترامب حملة “الضغط الأقصى” للعقوبات الدولية، مما ألحق أضراراً بالغة باقتصاد إيران وحرم الخزينة من مليارات الدولارات من الإيرادات الحكومية. ثم شنت إسرائيل والولايات المتحدة حرباً استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران من العام نفسه لتدمير المنشآت النووية الإيرانية. ألحقت تلك الحرب أضراراً بالبرنامج الإيراني. وفي فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الأخيرة التي بدأت باغتيال المرشد الأعلى للنظام وغالبية كبار المسؤولين، تلتها أكثر من خمسة أسابيع من الهجمات المتواصلة على القدرات العسكرية الإيرانية.

ورغم كل هذا، صمد النظام ولم يقدم أي تنازلات. بل على العكس، كشفت إيران عن كعب أخيلي (نقطة ضعف) أمريكا: وهي هشاشة جيران إيران. جاءت نقطة التحول الرئيسية في منتصف مارس/آذار، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز “بارس الجنوبي” الإيراني، فردت إيران باستهداف مجمع “رأس لفان” في قطر، وهو أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم. أظهر الهجوم أنه على الرغم من أن إيران لا تستطيع بوضوح هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية، إلا أن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قادرة على إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية للنفط والغاز في الخليج بدرجة كافية لإغراق العالم في أزمة اقتصادية مطولة. أدركت دول الخليج ذلك فوراً، وكذلك ترامب؛ حيث أوقف الهجمات على أهداف الطاقة الإيرانية، وأمر إسرائيل المتملصة بفعل الشيء نفسه، وسرعان ما أوقف الحملة الكبرى بأكملها دون الانتقاص من موقف إيران أو انتزاع تنازل واحد منها. ومنذ ذلك الحين، ورغم التهديدات المتكررة، لم يأمر ترامب ولو لمرة واحدة بشن ضربة أخرى ضد البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

كان هذا وحده كفيلاً بتغيير ميزان القوى والنفوذ بين إيران والولايات المتحدة. ومن أبريل/نيسان حتى يوليو/تموز، هدد ترامب مراراً وتكراراً بشن هجوم ضخم آخر ضد إيران. وفي كل مرة، كانت إيران تهدد بالرد، وتحذر دول الخليج من العواقب، ليتراجع ترامب في النهاية. وبحلول خدعته الثالثة أو الرابعة، كان لدى طهران سبب كافٍ للاستنتاج بأنه لم تعد لدى الولايات المتحدة الرغبة في مجاراتها في سلم التصعيد. وقد أوضح ترامب ذلك جلياً عندما أشار في منتصف يونيو/حزيران إلى أن استمرار الحرب سيؤدي إلى “كارثة اقتصادية”، وربما حتى إلى “كساد كبير”، وأنه لا يريد أن يصبح مثل هربرت هوفر. ومنذ ذلك الحين، يحاول ترامب بيأس ملحوظ إنهاء الصراع.

عكست مذكرة التفاهم التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران هذا الواقع. ورغم صياغتها بطريقة تحفظ ماء وجه الولايات المتحدة قدر الإمكان، إلا أنها كانت انتصاراً صريحاً لإيران. فقد أعلنت المذكرة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية — دون غيرها من الدول — هي من ستضع “الترتيبات” من أجل “المرور الآمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز. وفي حوار مع سلطنة عمان، ودون وسطاء أو مشاركين آخرين، ستحدد إيران إدارة المضيق “بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المطلة”.

لم تدعُ مذكرة التفاهم إلى العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب، كما أنها لم تمنح الولايات المتحدة أي رأي في الإدارة المستقبلية للمضيق. بل جعلت من إيران الجهة الفاعلة الوحيدة إلى جانب عمان، بل وسمحت لإيران بفرض رسوم على الدول مقابل المرور الآمن بعد 60 يوماً. وهكذا، جسدت مذكرة التفاهم الهزيمة التي مُنيت بها الولايات المتحدة في مارس/آذار، عندما أدرك ترامب — كما يبدو — أنه إما لا يستطيع أو لا يريد المخاطرة بشن المزيد من الهجمات على منشآت الطاقة في المنطقة.

وبالنظر إلى الوراء، لا يبدو أن القادة الإيرانيين كانوا يعتقدون أنهم بحاجة إلى مذكرة التفاهم هذه أساساً.. كانت اللامبالاة النسبية لطهران أمراً مفهوماً: فالتنازلات الأمريكية كانت تعكس يأساً كبيراً لإنهاء الحرب، إلى درجة جعلت الإيرانيين يتوقعون أن الولايات المتحدة ستتراجع في النهاية، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا.

ولم يتردد القادة الإيرانيون بالتأكيد في تقويض وقف إطلاق النار تقريباً فور بدء البحرية الأمريكية بمرافقة ناقلات النفط عبر الجانب العماني من المضيق. ربما يكون ترامب قد فهم — أو لم يفهم — المدى الكامل للتنازلات التي قدمها مفاوضوه بشأن السيطرة على المضيق، ولكن من وجهة النظر الإيرانية، كان الممر العماني محاولة لاستعادة ما تنازلت عنه الولايات المتحدة. ولفترة من الوقت، انخرطت الولايات المتحدة وإيران في ضربات متبادلة، توجت بهجمات أمريكية مكثفة في منتصف يوليو/تموز. وعندما لم تسفر هذه الضربات عن أي نتيجة، حذر ترامب في 15 يوليو/تموز من أن الولايات المتحدة “ستدمر جميع محطات الطاقة لديهم” و”جميع جسورهم” ما لم تتفاوض إيران. ومع ذلك، لم يتبع ذلك أي هجوم.

ثم علم العالم — والإيرانيون — بأحد الأسباب الرئيسية: حيث كشفت التقارير أن المخزونات الأمريكية من الذخائر الحيوية انخفضت إلى مستويات خطيرة، وأن رئيس أركان الجيش الأمريكي نفسه كان يبحث عن “مخرج”، مما أرسل إشارة واضحة حول المسار المستقبلي للاستراتيجية الأمريكية. إن شن هجوم كبير على إيران من شأنه أن يهدد المصالح الأمريكية في أماكن أخرى من خلال إضعاف الولايات المتحدة في حال تحركت الصين نحو تايوان أو شنت روسيا هجوماً على دولة عضو في حلف الناتو.

كما أن نقص الصواريخ يضاعف المخاطر المترتبة على أي هجوم واسع النطاق على البنية التحتية الإيرانية؛ إذ ستُضطر الولايات المتحدة إلى إرسال المزيد من الطائرات المأهولة إلى مدى الدفاعات الجوية الإيرانية، مع امتلاكها عدداً قليلاً نسبياً من الصواريخ الاعتراضية لحماية دول الخليج وقواعدها الإقليمية. وسيكون خطر وقوع إصابات في صفوف القوات الأمريكية مرتفعاً، تماماً كخطر تدمير البنية التحتية للطاقة في المنطقة. ولا يوجد ما يضمن أن يكون مثل هذا الهجوم أكثر فعالية من عمليات القصف التي استمرت لأكثر من خمسة أسابيع في وقت سابق من هذا العام.

أوضحت التصرفات الأمريكية أن واشنطن تخشى التصعيد أكثر مما تخشاه إيران — ليس فقط في الوقت الحالي، بل في المستقبل أيضاً. وهذا يضع حدوداً لما يمكن للولايات المتحدة فعله حتى في المستويات المنخفضة من الصراع. ولأن أي عمل عسكري ضد إيران يحمل خطر الدخول في سلم تصاعدي لا ترغب الولايات المتحدة في صعوده، يبدو أن ضربات الرد المتبادل لم تعد جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية. وتفيد التقارير بأن الرئيس أبلغ مستشاريه بأنه لا يريد إصدار أوامر بشن المزيد من الضربات. وخلال هذا الشهر، ضرب الإيرانيون عدة سفن إماراتية بل وأطلقوا صواريخ باليستية على البلاد، لكن الولايات المتحدة لم ترد منذ يوليو/تموز — وهي حظيت باهتمام بالغ بالتأكيد من قِبل الإمارات وجيران إيران الآخرين.

بالنظر إلى التردد الأمريكي الواضح في خوض حملة عسكرية كبيرة أخرى، لدى إيران سبب للتساؤل عما يمكنها الحصول عليه من الاتفاق ولم تكن لتحصل عليه بدونه على أي حال. يطالب كبار المسؤولين الإيرانيين الآن بسحب القوات الأمريكية، ورفع الحصار البحري الأمريكي وجميع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات الحرب. والحكمة السائدة هي أن القادة الإيرانيين يعرفون أن هذه المطالب غير قابلة للتنفيذ بالنسبة لواشنطن، وأنهم بالتالي إما يمرغون أنف ترامب في الهزيمة، أو يسعون للحصول على صفقة أفضل، أو يبالغون في استعراض قوتهم. ولا يزال العديد من المراقبين يفترضون أن السيطرة على المضيق هي ورقة مساومة لانتزاع المزيد من التنازلات من الولايات المتحدة أو إجبار ترامب على العودة إلى مذكرة التفاهم. لكننا تجاوزنا كل ذلك بكثير؛ فالمنتصر لا يعود إلى طاولة المفاوضات إلا ليملي شروط الاستسلام.

لقد وضعت إيران هذه الشروط الآن. قد تبدو متطرفة ومبالغاً فيها، لكن طهران لا تعتقد مطلقاً أن لديها ما يدعوها للمطالبة بأقل من ذلك. أوضحت إيران منذ أشهر أن السيطرة على المضيق غير قابلة للنقاش. أما الفكرة التي تروجها إدارة ترامب وسائل الإعلام باستمرار حول أن الإيرانيين لا يستقرون على رأي ويغيرون مواقفهم باستمرار، فهي محض هراء. فمنذ أبريل/نيسان الماضي، أعلن مجتبى خامنئي أن إيران ستطبق “أطراً قانونية وإدارة جديدة” للمضيق، وأن “الأجانب القادمين من على بعد آلاف الكيلومترات” لا مكان لهم في الخليج، “إلا في قاع مياهه”. وفي يوم إحياء ذكرى هزيمة البرتغال في المضيق عام 1622، أعلن أنه “بمشيئة الله وقدرته، فإن المستقبل المشرق لمنطقة الخليج العربي سيكون مستقبلاً بلا أمريكا”.


إن فكرة أن إيران، بعد أن نجت من الضربات العسكرية والعقوبات، ستستسلم الآن للعقوبات وحدها هي فكرة واهمة. لقد أعاد مجتبى هيكلة قيادة الأمن القومي الإيراني وعيّن قدامى المحاربين في الحرس الثوري الإيراني في مناصب عليا. يترأس القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي الآن المجلس الأعلى للأمن القومي، وتم الترفيع في مناصب مسؤولين أمنيين اصوليي آخرين. النظام الذي يخرج من هذه الحرب يعاد تنظيمه بواسطة رجال يعتقدون أن إيران نجت من محاولة أمريكية-إسرائيلية لتدميرها، وأن التحدي وليس المساومة هو ما يحقق النصر.

لكن الأمر لا يقتصر على مجرد الشعور بالانتصار؛ فبالنسبة لإيرانيين، لا تُعد السيطرة على المضيق رفاهية أو ورقة مساومة. فنظراً لاحتمالية أن تشن إسرائيل أو الولايات المتحدة هجوماً آخر في المستقبل، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا، فإن المضيق يوفر أقوى وأضمن وسيلة ردع لإيران. كما أنه المفتاح لفك العديد من القيود التي فرضها النظام العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة على إيران على مدى عقود، ولتفكيك نظام اقتصادي إقليمي وعالمي صُمم لإقصائها وإفقارها. قد يرى بعض من يُطلق عليهم “المعتدلون” داخل المؤسسة الإيرانية أن المضيق ورقة مساومة، لكنهم لا يكسبون الجدال، لأسباب ليس من الصعب فهمها. لقد صرح متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني برؤية النظام بوضوح: “بالنسبة لنا، ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي اقتصادي، بل هو عنصر أساسي في قوتنا الجيوسياسية والاستراتيجية”.
تقوم إيران بتأسيس آليات السيطرة منذ أشهر وتعليم مالكي السفن والدول كيفية عمل هذا النظام؛ فقد أنشأت “هيئة مضيق الخليج العربي” وطالبت شركات الشحن بالتسجيل لديها، والحصول على التصاريح، واتباع المسارات التي تحددها إيران، والدفع مقابل التأمين والأمن اللذين تقدمهما.

كما أن إيران لا تطالب فقط بحق جمع الأموال، بل تطالب أيضاً بحق تحديد من يجوز له المرور. وقد اقترحت استبعاد السفن المرتبطة بالحكومات التي تعتبرها معادية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، وطالبت بتعويضات من الدول التي شاركت في هجمات ضدها. تضع إيران المبدأ القائل بأن المرور عبر المضيق سيكون من الآن فصاعداً امتيازاً يمكن لطهران منحه أو اشتراطه أو تأخيره أو رفضه. وقد بدأت دول أخرى بالفعل في الإذعان للترتيب الجديد؛ حيث سعت الهند وباكستان والعراق وتركيا والصين ودول أخرى إلى التوصل إلى تفاهمات.

تُعتبر سيطرة إيران على مضيق هرمز أداة قوة أكثر فائدة مما قد يكون عليه السلاح النووي. قد يردع السلاح النووي أي هجوم، لكن السيطرة على المضيق تمنح إيران نفوذاً يومياً على عشرات الدول. وبواسطته، يمكن لإيران مكافأة الأصدقاء، وعقاب الأعداء، وجني الإيرادات، وفرض تخفيف العقوبات، وجعل الحكومات تفكر مرتين قبل معارضة السياسات الإيرانية. ويمكنها فعل كل هذا دون إطلاق رصاصة واحدة، مع الحفاظ على القدرة على التهديد بالحرب عند الضرورة.

كانت استراتيجية العقوبات التي ساهمت لعقود في عزلة إيران تعتمد على التعاون الدولي. والدول التي تعتمد على الوصول إلى المضيق — كاليابان وكوريا الجنوبية مثلاً — ستضطر للفيصل بين الوصول إلى إمدادات طاقة موثوقة وبين المشاركة في العقوبات المدعومة أمريكياً. فهل سيختارون التضامن مع واشنطن — واشنطن هذه — على حساب مصالحهم الاقتصادية؟ في النظام الجديد الذي تبنيه إيران، من المرجح أن يصبح نظام العقوبات العالمي غير قابل للاستمرار.

ستحافظ إيران على سيطرتها على تدفقات الطاقة لمدة سنتين على الأقل؛ إذ تشير التوقعات الأكثر تفاؤلاً إلى أن إنشاء أنابيب وطرق تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة. لكن المرء يتساءل عما إذا كانت هذه المشاريع ستتحقق أصلاً. فالأنابيب والموانئ ومنشآت الطاقة الجديدة ستكون عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تماماً كالسابقة. فهل ستكتفي إيران بالمشاهدة بينما تبني الدول المجاورة الوسائل للهرب من سيطرتها؟ إن الدول الصغيرة التي يتعين عليها بناء وتأمين مثل هذه الطرق ستكون حذرة من إثارة غضب إيران، خاصة وأن الحماية الأمريكية أثبتت عدم جدواها.

لقد بدأ التكيف الإقليمي بالفعل. حكام الخليج الذين كانوا يعتمدون في السابق على ضمانة أمنية أمريكية، يجدون أنفسهم الآن مضطرين لإحلال السلام مع القوة التي أثبتت قدرتها على هزيمة حاميهم. إن رفض السعودية لـ “اتفاقيات إبراهيم” المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل لصالح ميثاق استراتيجي مع پاکستان وتركيا يلمح إلى معالم المستقبل. كانت اتفاقيات إبراهيم تمثل ترسيخاً للقوة والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة ومزيداً من احتواء إيران، أما ميثاق مكة فهو شيء مختلف تماماً. فلا باكستان ولا تركيا تعتبران إيران تهديداً رئيسياً؛ كما أن لباكستان — مثل إيران — علاقات وثيقة مع الصين، وتعتبر إسرائيلُ تركيا تهديداً إقليمياً يأتي في المرتبة الثانية بعد إيران. وبدلاً من نظام أمريكي-إسرائيلي، سيكون هذا الاصطفاف أقل معاداة لإيران، وأقل ودية لإسرائيل، وأكثر استقلالية عن الولايات المتحدة. كما تجمع الموقّعين ميزة مشتركة وهي الأسلحة النووية: فباكستان تمتلكها، والترك والسعوديون يرغبون في الحصول عليها.

في هذه الأثناء، ستكون إيران حرة في استئناف برنامجها النووي دون خوف من هجوم كبير آخر. وتلك الحقيقة بحد ذاتها ستغير التوازن الإقليمي. في العام الماضي، قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية لمدة 12 يوماً دون مواجهة رد انتقامي إيراني خطير. أما الآن، فقد تجرأت إيران على استخدام سيطرتها على المضيق والتهديدات الموجهة للدول المجاورة وبنيتها التحتية للطاقة لردع أي ضربات من هذا القبيل في المستقبل المنظور. ستستغرق مخزونات الصواريخ والصواريخ الاعتراضية الأمريكية وقتاً طويلاً لإعادة التزود بها، وقد تكون هناك حاجة إليها في مناطق أخرى من العالم في السنوات القادمة؛ وفي هذه الأثناء ستعيد إيران تسليح نفسها بمساعدة روسية وصينية، مما قد يضع الولايات المتحدة في موقف أسوأ بعد عام مما هي عليه اليوم.

وستمتد الآثار إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. يمكن لحلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا أن يروا أن حرباً قصيرة نسبياً ضد قوة من الدرجة الثانية قد استهلكت معظم إمدادات أمريكا من الأسلحة اللازمة للدفاع الصاروخي. ويمكنهم أن يروا أن الولايات المتحدة بدأت حرباً لم تستطع إنهاءها، وتعرض شركاؤها للانتقام، ثم توقفت عندما أصبحت التكاليف باهظة للغاية. قد يكون من المستحيل معرفة استنتاجات بيكين بشأن تايوان، واستنتاجات موسكو بشأن أوروبا، لكن حلفاء أمريكا سيتساءلون حتماً عما إذا كانت واشنطن تمتلك الأسلحة والتحمل والإرادة السياسية لاستدامة صراع كبير آخر. وفي الواقع، هم يتساءلون بالفعل.

قبل الحرب، لم يكن النظام الإيراني يمتلك السيطرة على أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم، ولم تكن لديه آفاق الإيرادات والنفوذ المتزايدين، ولا القدرة المبرهنة على ردع الولايات المتحدة، ولا هيبة تحقيق انتصار مستحيل.

إن النظام الذي نجا مما كان يعتقد معظم العالم أنه سيؤدي إلى تدميره، ثم أصلح القوة المهيمنة في العالم على التراجع، سيخرج أكثر قوة. ومثل هذا النجاح يميل إلى توليد الثقة، وربما الثقة الزائدة. لكنه لن يجعل القادة الإيرانيين أقل طموحاً أو أقل التزاماً بالإيمان الذي أوصلهم إلى هذا النصر المعجزة.

مؤخراً، بدأ كبار المسؤولين الإيرانيين يتحدثون علناً عن تبني موقف “هجومي بالكامل”، وظهرت تقارير عن خطط إيرانية لتوسيع أهدافها لتشمل الدول الأوروبية التي تستضيف قواعد أمريكية. وتعتبر رؤية مقالات في صحيفة “نيويورك تايمز” تسأل: “من سيطرف بعينه أولاً؟” أمراً مثيراً للسخرية، بالنظر إلى أن الإيرانيين حتى الآن لم يطرفوا بعينهم ولو لمرة واحدة، بينما لم تفعل إدارة ترامب شيئاً سوى الرفرفة بالعينين والتراجع.

قد تبدأ إيران في القتال مجدداً لإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري. وبالنظر إلى الخوف الثابت لدى الإدارة الأمريكية من التصعيد، فإن هذا الأمل ليس غير منطقي. لقد أمضى العالم عقوداً وهو يقلق بشأن ما قد تفعله إيران إذا حصلت على سلاح نووي، والآن ينبغي عليه أن يقلق بشأن شيء أكثر أهمية بكثير: إيران هزمت الولايات المتحدة، ولم تعد تخشى هجوماً أمريكياً، وتسيطر على المنفذ إلى الخليج . لم يكن بوسع الأسلحة النووية وحدها أن تمنح إيران هذا النوع من القوة، لكن الحرب الفاشلة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هي التي منحتها إياها.

المصدر: موقع المنار