الإثنين   
   04 05 2026   
   16 ذو القعدة 1447   
   بيروت 09:48

إيران تشترط وقف الحرب على لبنان.. ورئيسنا يصمت على “قواعد” نتنياهو

استضافت واشنطن جولتين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 و23 نيسان 2026. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الجولة الأولى وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام، ثم مدده إلى 3 أسابيع خلال الجولة الثانية. لكن “إسرائيل”، وخلافاً لكل الوعود، تواصل شن غارات يومية على لبنان، وتواصل احتلال مناطق من الجنوب. وفي تطور استدعى وقفة جادة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: “إننا نعمل بحزم وفق قواعد تم الاتفاق عليها مع واشنطن والحكومة اللبنانية”. والسؤال الذي ينتظر إجابة شفافة: ما هي هذه “القواعد” التي يتحدث عنها نتنياهو؟ هل هي القواعد التي تمنح إسرائيل وحدها حق “الدفاع عن النفس” كما ورد في البيان الأميركي؟ هل تتعلق بنزع سلاح المقاومة كما تلمح التصريحات الأميركية؟ ولماذا تصمت رئاسة الجمهورية اللبنانية ولا تصدر أي نفي أو توضيح لما يقوله رئيس وزراء العدو؟ إن صمت قصر بعبدا حتى الآن يوحي بالموافقة على هذه “القواعد”، فلماذا لا يصدر نفي رسمي واضح يقطع الطريق على الرواية الإسرائيلية ويؤكد أن لا قواعد إلا ما يراه لبنان مناسباً؟

في 14 نيسان، جلست سفيرة لبنان إلى طاولة واحدة مع وزير الخارجية الأميركي وسفير الكيان الصهيوني. وفي أعقاب هذه الجولة، صدر بيان أميركي يستحق التوقف عنده بكل دقة. جاء فيه: “تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت ضد أي هجمات، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”. هنا يبرز سؤال وطني لا مفر منه: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تقبل نصاً يمنح طرفاً واحداً حق “الدفاع عن النفس” بينما يسلب هذا الحق من لبنان؟ هل يصح في القانون الدولي أن يكون حق الدفاع حكراً على المعتدي؟ وأين دور الدولة في حماية مواطنيها إذا كان العدو يمتلك الضوء الأخضر لقتلهم تحت أي ذريعة؟

في محاولة لتوضيح الموقف، صرّح الرئيس جوزاف عون أمام الهيئات الاقتصادية بأن “ما ورد في بيان وزارة الخارجية الأميركية هو نفس النص الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، وهو بيان وليس اتفاقاً”. لكن التدقيق في النصين يكشف حقائق لا تحتمل الجدل، ونترك للرئيس نفسه الحكم على صحتها. ففي اتفاق 2024، تم النص على أن كلاً من لبنان وإسرائيل يحتفظ بحقه الطبيعي في الدفاع عن النفس، أما في بيان واشنطن فلم يعد هناك أي ذكر لحق لبنان، وحصر الحق حصراً في إسرائيل. فهل يعتبر رئيس الجمهورية أن هذا التغيير الجوهري لا يستحق تعليقاً أو استنكاراً؟ وأين يتوافق هذا مع واجب الرئيس في الحفاظ على سيادة لبنان وكرامته؟ كما أن اتفاق 2024 كان مرتبطاً بالقرار 1701، أي بإطار دولي واضح وقوة أممية مراقبة، أما بيان واشنطن فتخلص تماماً من هذه المرجعية، بل إن الخارجية الأميركية دعت إلى “تجاوز اتفاق 2024”. فهل من مصلحة لبنان أن يخوض مفاوضات بلا سقف دولي يحميه؟ وهل يصح التفاوض على حقوق لبنانية خارج إطار الشرعية الدولية؟ وثالثاً، اتفاق 2024 أنشأ آلية لمتابعة الخروقات عبر اليونيفيل ومجلس الأمن، أما بيان واشنطن فاستبدل كل هذه الآليات بفقرة واحدة تمنح إسرائيل حق “الدفاع عن النفس” بشكل مطلق. فكيف يمكن للبنان أن يحمي حقوقه في حال غابت الآليات الدولية؟ ومن سيراقب سلوك العدو إذا كان هو الحكم على نفسه؟ نأمل من الرئيس عون توضيح هذه النقاط أمام اللبنانيين، لأن الغموض في مثل هذه الملفات يضعف موقف لبنان ويثير علامات استفهام حول جدوى هذا المسار التفاوضي.

في تطور لافت، رد المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري على تصريحات عون، معتبراً أن ما ورد على لسانه “غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك”. هذا الرد الصادر من عين التينة يبين أنه ليس هناك تنسيق حقيقي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب حول هذا الملف. وهنا السؤال أين وحدة الموقف التي يحتاجها لبنان في أحلك الظروف؟ إن التباين العلني بين أعلى مرجعيتين في الدولة يضعف موقف لبنان التفاوضي ويمنح العدو فرصة لاستغلال هذه الثغرات.

لا بد من التساؤل بكل موضوعية: ما الذي يدفع رئيس الجمهورية إلى الإصرار على تبرير “التفاهم” الذي أذاعته الخارجية الأميركية، والاستمرار في الدفاع عن المفاوضات المباشرة؟ هل هو الرهان على “صداقة” الرئيس ترامب؟ وهل العواطف الشخصية كافية لبناء استراتيجية وطنية في مواجهة عدو لا يعرف إلا لغة القوة؟ أليس الأجدر بلبنان أن يتفاوض من موقع القوة وليس من موقع الاستجداء، كما تفعل إيران التي جعلت وقف الحرب على لبنان شرطاً لدخولها في أي مفاوضات؟ لقد قال سماحة الشيخ نعيم قاسم في بيانه الأخير: “لا يمكن لهذه السلطة أن تستمر وهي تفرط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض وتواجه شعبها المقاوم”. ونحن نأمل أن يعيد رئيس الجمهورية النظر في هذا المسار قبل فوات الأوان، وأن يصغي إلى صوت العقل والمصلحة الوطنية.

في إسلام آباد، تجلس إيران إلى طاولة المفاوضات مع أميركا من موقع القوة والندية. إيران التي خاضت 22 عاماً من المفاوضات، وتعلمت من غدر أميركا في 2018 ومن حرب الـ12 يوماً في 2025، لم تنكسر. أبلغت الوسطاء بصيغة ثلاث مراحل: الأولى إنهاء الحرب وضمانات بعدم تجديدها ضد إيران ولبنان، ولن تناقش أي ملف آخر قبل ذلك. الثانية إدارة مضيق هرمز، والثالثة الملف النووي. إيران تشترط وقف الحرب على لبنان قبل أن تبدأ أي نقاش. فهل يجرؤ لبنان على اتخاذ موقف مماثل؟ أم أننا سنبقى في موقع التابع الذي يتلقى الإملاءات بدلاً من أن يضعها؟ ماذا عن لبنان؟ أين بنوده الواضحة؟ أين الضمانات التي يطلبها؟ أين شرط وقف الحرب قبل أي نقاش؟ لبنان يملك كل مقومات القوة: مقاومة كسرت مئة ألف جندي إسرائيلي، وشعباً صامداً، ودولة حليفة هي إيران التي جعلت وقف الحرب على لبنان شرطاً. فلماذا لا تستثمر هذه الأوراق؟

أما النقاط الخمس التي تمسك بها سماحة الشيخ نعيم قاسم، فهي حقوق ثابتة لا يمكن المساومة عليها، ونأمل أن تتبناها الدولة اللبنانية كحد أدنى: إيقاف العدوان براً وبحراً وجواً، انسحاب إسرائيلي فوري من كل الأراضي المحتلة، الإفراج عن الأسرى، عودة الأهالي إلى كل قراهم حتى آخر بيت، وإعادة الإعمار بقرار رسمي ودعم دولي. قال سماحته: “هذه النقاط الخمس فلتنفذ أولاً، ومن ثم نحن اللبنانيين نعرف كيف نتخذ القرارات”. هذا هو جوهر اتفاق تشرين الثاني 2024 الذي لم تطبقه إسرائيل على مدى 15 شهراً. فلماذا الخضوع والذهاب إلى مفاوضات مباشرة تمنح العدو ما لم يستطع أخذه في الميدان؟ وختم سماحته برسالة إلى اللبنانيين وإلى العالم: “وسجّلوا للتاريخ: لن يبقى العدو الإسرائيلي على شبر واحد من أرضنا المحتلة، وسيعود أهلنا إلى أراضيهم حتى آخر شبر من حدودنا الجنوبية مع فلسطين المحتلة. ويا أهلنا، كما قاومنا معاً سنعمرها معاً. أهلاً وسهلاً بكل من يساعد لبنان ويدعم تحريره وإعادة بنائه، وغير مرحب بكل من يخدم متطلبات العدو وتعطيل قوة لبنان.”

إن الجولتين من المفاوضات المباشرة تثيران تساؤلات مشروعة حول جدواها وشرعيتها. نأمل من رئيس الجمهورية أن يتحمل مسؤولياته الوطنية، وأن يعيد النظر في هذا المسار قبل فوات الأوان. نأمل منه أن يستمع إلى صوت الشعب اللبناني الرافض لهذه المفاوضات، وأن يلتزم بالدستور الذي أقسم على حمايته. أليس من واجب الرئيس تنفيذ بنود اتفاق 2024 بدلاً من الدخول في ترتيبات جديدة تمنح العدو ما لم يحصل عليه في الحرب؟ أليس من حقه ومن واجبه حماية سيادة لبنان وكرامته بدلاً من الرهان على “صداقات” لا تضمن شيئاً؟ ما نقترحه، في إطار المسؤولية الوطنية، هو التحول إلى مفاوضات غير مباشرة عبر وسيط محايد، مع استخدام كل أوراق القوة التي يمتلكها لبنان، ودون تقديم أي تنازلات مجانية. وأساس أي نقاش يجب أن يكون تنفيذ النقاط الخمس أولاً، كحقوق لا تفاوض عليها. فإذا أصر العدو على موقفه المتعنت، فالمقاومة باقية في الميدان، وأيديها على الزناد، وهذا ما أثبتته على مدى السنوات الماضية. قال سماحته: “نحن منصورون من الآن وفي كل لحظة. النصر أن تؤلم العدو، ونحن نؤلمهم. النصر أن لا يحقق أهدافه، ولن يحقق. النصر أن لا نجعله يستقر، ولن يستقر”.

المصدر: موقع المنار