الأحد   
   19 04 2026   
   1 ذو القعدة 1447   
   بيروت 12:43

خاص | من تحالف إلى انقسام: العدوان على إيران يكشف حدود القيادة الأمريكية

  1. إيران كنقطة تحوّل في إعادة تشكيل النظام الدولي

يشكّل العدوان الأمريكي على إيران لحظة مفصلية في مسار التحولات الجارية داخل النظام الدولي، إذ يتجاوز كونه حدثًا عسكريًا معزولًا ليعكس اختلالات أعمق في بنية التحالفات الغربية وتوازنات القوة العالمية. فقد أظهر هذا التصعيد حدود القدرة الأمريكية على إدارة أزمات كبرى ضمن إطار إجماع غربي متماسك، في ظل تزايد التباينات في الرؤى والمصالح بين واشنطن وحلفائها التقليديين، سواء داخل حلف شمال الأطلسي أو خارجه.

وتكشف هذه الأزمة عن تحوّل تدريجي في طبيعة النظام الدولي من منطق القيادة الأحادية القطبية إلى مسار أكثر تعددية وتعقيدًا، تتنامى فيه أدوار القوى الصاعدة وتتسع فيه هوامش الاستقلال لدى الدول الحليفة للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، لا تبدو المواقف المتباينة من الأزمة الإيرانية مجرد اختلافات ظرفية، بل مؤشرات على إعادة تعريف وظائف التحالفات الغربية وحدود التزاماتها في إدارة الأمن الدولي.

وانطلاقًا من ذلك، يطرح المقال إشكالية مركزية تتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقع القيادة داخل منظومتها التحالفية في ظل التحولات البنيوية الراهنة، وما إذا كانت الأزمات المتتالية تمثل بداية تآكل هذا الدور أم مجرد إعادة تموضع داخل نظام دولي قيد التشكل.

  1. العدوان الأمريكي على إيران واختبار تماسك التحالفات الغربية

مثّل العدوان الأمريكي على إيران محطة فارقة في تطور النظام الدولي الراهن، إذ لم يقتصر أثره على البعد العسكري، بل امتد ليكشف عن تباينات عميقة داخل بنية التحالفات الغربية. فقد وضع هذا التصعيد واشنطن أمام اختبار فعلي لمدى قدرتها على ضبط تماسك حلفائها التقليديين، في ظل تباين الأولويات وتعدد الحسابات الاستراتيجية بينهم. وبذلك، برز الحدث كمؤشر عملي على درجة متانة التحالف الغربي، مظهرًا تباينًا واضحًا بين دول تبنّت الموقف الأمريكي وأخرى فضّلت التحفظ أو النأي بنفسها عن مسار التصعيد.

وفي مقابلة مع موقع المنار الالكتروني أعتبر الدكتور جمال واكيم استاذ التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، أنه لا يمكن فهم هذا الحدث بمعزل عن التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها النظام الدولي، إذ يأتي العدوان الأمريكي على إيران في سياق انتقال تدريجي من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب. وتكتسب هذه اللحظة دلالتها التاريخية عند مقارنتها بما شهده العالم عام 1956، حين شكّل فشل العدوان الثلاثي على مصر نقطة تحوّل أنهت فعليًا هيمنة القوى الاستعمارية التقليدية، ومهّدت لظهور نظام دولي جديد قائم على الثنائية القطبية. وبالمثل، يبدو أن الأزمة الراهنة تمثل لحظة ذروة في مسار التحول الدولي، حيث تتكثف التناقضات بين القوى الكبرى وتظهر حدود النظام القائم.

يتابع الدكتور واكيم ويقول أن العدوان لا يقتصرعلى كونه اختبارًا لتماسك التحالفات الغربية، بل يتجاوز ذلك ليشكّل مؤشرًا على تحوّل أعمق في طبيعة النظام الدولي ذاته، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على أداء دور القوة المهيمنة كما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، في ظل صعود قوى دولية منافسة وتزايد النزعات الاستقلالية لدى الحلفاء.

  1. حلف الناتو أمام العدوان على إيران: التباين في المواقف

كشفت الأزمة المرتبطة بالعدوان الأميركي تجاه إيران عن تنامي التوتر داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في ظل محدودية التشاور مع الحلفاء الأوروبيين، الأمر الذي يعكس تحولًا في نمط إدارة الأزمات مقارنة بما جرى خلال التحضير لحرب العراق عام 2003، بحسب ما ورد في تقرير نشرته Deutsche Welle.

ويشير التقرير إلى أن حلف الناتو كان قد واجه في تلك الفترة أزمة داخلية كادت أن تؤدي إلى انقسامه، وذلك بعد مرور نحو ثمانية عشر شهرًا فقط على تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، نتيجة قرار الولايات المتحدة شن حرب على نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وقد اعتُبرت تلك الحرب “حربًا اختيارية” نُفذت من دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، تحت مبرر امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، قبل أن يتبين لاحقًا عدم صحة هذه الادعاءات.

وفي سياق تلك الحرب، شاركت عدة دول، من بينها بريطانيا وبولندا وإسبانيا وأستراليا، في العمليات العسكرية، في حين رفضت دول أوروبية بارزة مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا الانخراط فيها، ما عكس انقسامًا واضحًا داخل المنظومة الغربية.

ورغم هذا التباين، عملت الإدارة الأمريكية آنذاك بقيادة جورج دبليو بوش على تكثيف قنوات التشاور مع الحلفاء، وإشراك المؤسسات الدولية والرأي العام في عملية اتخاذ القرار، في محاولة للحفاظ على وحدة التحالف وتماسكه.

كما نقل التقرير عن السفير الأمريكي السابق لدى الناتو نيكولاس بيرنز أن ذلك النهج القائم على التشاور المستمر مع الحلفاء شكّل فارقًا واضحًا مقارنة بأساليب إدارة أزمات لاحقة، حيث كان الحرص أكبر على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة رغم الخلافات السياسية اجتماع ترامب وروته يكشف عن انقسامات عميقة داخل الناتو.

  1. تقاسم الأعباء الدفاعية داخل الناتو وتداعياته على التماسك في ظل الأزمات الدولية

يشكّل توزيع الأعباء الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) أحد أبرز المؤشرات على درجة تماسكه الداخلي وقدرته على الاستجابة الجماعية للأزمات الدولية. وفي هذا السياق، يكتسب تطور التزامات الإنفاق الدفاعي بين الدول الأعضاء أهمية خاصة في فهم التحولات التي يشهدها الحلف وانعكاساتها على وحدته الاستراتيجية.

وتُظهر التعريفات الرسمية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) للإنفاق الدفاعي أن هذا المفهوم لا يقتصر على التسلّح المباشر فحسب، بل يشمل منظومة واسعة من النفقات المرتبطة بتمويل القوات المسلحة، والعمليات العسكرية، والبحث والتطوير، إضافة إلى المساهمات في البنية التحتية الدفاعية والصناديق المشتركة للحلف. ووفق هذا الإطار، يُحتسب الإنفاق الدفاعي باعتباره المدفوعات التي تقدمها الحكومات الوطنية لتلبية احتياجات قواتها المسلحة، أو دعم الحلفاء، أو تمويل متطلبات الناتو كمنظومة جماعية. ويستند هذا التعريف إلى ما ورد في تقرير رسمي منشور على موقع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وفي هذا السياق، يبرز هذا التقرير الصادر عن الموقع الرسمي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ، مدى التطور الكبير في التزامات الحلف، حيث انتقل من معيار 2% من الناتج المحلي الإجمالي الذي أُقر في قمة ويلز عام 2014، إلى التزام أكثر طموحًا تم الإعلان عنه في قمة لاهاي 2025، والذي يهدف إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة بين الإنفاق العسكري الأساسي ومتطلبات الأمن والمرونة والبنية التحتية الدفاعية. ويعكس هذا التحول تصاعد التهديدات الدولية وإعادة تقييم طبيعة الأمن الجماعي داخل الحلف.

كما تشير البيانات التاريخية الواردة في التقرير، فإن جميع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد وصلت أو تجاوزت هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، بعد أن كان عدد محدود فقط من الدول يلتزم بهذا السقف في عام 2014، ما يعكس ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي خلال العقد الأخير. ومع ذلك، فإن استمرار التفاوت في حجم المساهمات ونوعيتها بين الدول الأعضاء يبرز إشكالية بنيوية تتعلق بتقاسم الأعباء الدفاعية داخل الحلف، وهي إشكالية تنعكس بصورة مباشرة على مستوى التماسك السياسي والاستراتيجي للناتو. ويتجلى ذلك بشكل أوضح في سياق الأزمات الدولية المتصاعدة، مثل الأزمة مع إيران، حيث تتباين مواقف الدول بين الانخراط والتريث، بما يعكس حدود القدرة على تحقيق إجماع داخل المنظومة الأطلسية.

  1. مواقف الحلفاء خارج أوروبا في سياق أزمة إيران

تُظهر مواقف حلفاء الولايات المتحدة خارج أوروبا تباينًا في الانخراط مع سياساتها تجاه إيران، بين الحذر وتجنّب التصعيد، والحفاظ على الشراكة دون مشاركة مباشرة، ما يعكس طابعًا براغماتيًا لهذه التحالفات وحدود قدرة واشنطن على بناء إجماع دولي. وقد برز السبب الأكثر وضوحًا لهذا الانقسام عندما دعت الولايات المتحدة حلفاءها إلى الانخراط في تحالف عسكري لإعادة فتح مضيق هرمز، الأمر الذي أثار مخاوف من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران وتعارض مع أولوياتهم الاقتصادية وأمنهم الطاقوي، ما دفعهم إلى تبنّي مواقف متحفظة أو رافضة.

• موقف كندا

تجسد المواقف الرسمية الكندية من العدوان الأميركي على إيران تبني مقاربة تقوم على الدعوة إلى خفض التصعيد وتفادي الانخراط العسكري المباشر، مع التأكيد على أولوية الحلول الدبلوماسية لحماية الاستقرار الإقليمي. كما شددت الحكومة الكندية على ضرورة تجنب توسّع نطاق الصراع وحماية المدنيين، معتبرة أن التوترات في المنطقة تستوجب معالجة سياسية أكثر من كونها عسكرية. وفي الوقت نفسه، أكدت أوتاوا أن إيران تُعد عاملًا مسببًا لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، لكنها امتنعت عن المشاركة في أي عمليات عسكرية ضدها، مفضّلة التنسيق الدبلوماسي مع الحلفاء. وقد ورد هذا الموقف في بيان رسمي منشور على الموقع الإلكتروني لوزارة الشؤون الخارجية الكندية.

وفي سياق إعادة توجيه السياسة الدفاعية الكندية، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ستتوقف عن النمط الذي كان يقوم على تحويل ما يقارب “70 سنتًا من كل دولار من الإنفاق العسكري إلى الولايات المتحدة”، مؤكّدًا أن هذا النهج لم يعد مستدامًا في المرحلة الحالية، وأن أوتاوا تتجه نحو تعزيز التصنيع العسكري المحلي وتنويع الشراكات الدفاعية بعيدًا عن الاعتماد الكبير على واشنطن. وقد ورد هذا التصريح في خطاب رسمي لرئيس الوزراء الكندي نُشر عبر وسائل إعلام دولية نقلًا عن كلمته خلال مؤتمر الحزب الليبرالي في مونتريال، حيث أكد أن “الأيام التي كان فيها الجيش الكندي يرسل 70 سنتًا من كل دولار إلى الولايات المتحدة قد انتهت.

• موقف أستراليا

يتسم الموقف الأسترالي من العدوان الأمريكي على إيران بمزيج من الدعم السياسي الحذر للولايات المتحدة والدعوة إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد العسكري. فقد أكدت الحكومة الأسترالية دعمها للجهود الرامية إلى منع إيران من تطوير قدرات نووية تهدد الأمن الدولي، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي وتفادي توسع الصراع. كما أوضحت كانبيرا أنها لا تنخرط في العمليات العسكرية الهجومية، وتفضل الاقتصار على الدعم السياسي والتنسيق مع الحلفاء، بما يعكس حرصها على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة. وقد ورد هذا الموقف في بيان وزارة الخارجية الأسترالية على موقعها الرسمي، حيث أكدت أن أستراليا تدعم الجهود الدولية المتعلقة بإيران وتدعو إلى خفض التصعيد.

كما ورد أيضًا في تقرير نشرته هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) ، الذي أشار إلى دعم الحكومة الأسترالية للهدف الأمريكي مع رفض الانخراط في تصعيد عسكري مباشر.

• موقف كوريا الجنوبية

أما كوريا الجنوبية، فقد اتسم موقفها بدرجة عالية من التحفظ، حيث ركزت سياساتها الأمنية على أولوية مواجهة التهديد الكوري الشمالي، ورفضت الانخراط في تحالفات عسكرية خارج الإطار الإقليمي لشبه الجزيرة الكورية، مع الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة دون التورط في صراعات بعيدة جغرافيًا. وقد ورد هذا التوجه في بيانات وزارة الخارجية الكورية الجنوبية المنشورة على موقعها الرسمي، التي تؤكد أن سيؤول تعتمد مقاربة تقوم على ضبط النفس وتجنّب التصعيد في الأزمات الدولية، مع إبقاء الأولوية للأمن الإقليمي في شرق آسيا.

وبصورة عامة، يعكس موقف كوريا الجنوبية—إلى جانب دول حليفة أخرى خارج أوروبا—اتجاهًا متزايدًا نحو تبني مقاربة براغماتية في إدارة علاقاتها مع واشنطن، تقوم على دعم سياسي محدود دون التزام عسكري مباشر، ما يكشف حدود قدرة الولايات المتحدة على تعبئة إجماع دولي واسع خارج إطار حلف شمال الأطلسي في سياق الأزمات الكبرى.

• موقف اليابان

يتسم موقف اليابان من العدوان الأمريكي على إيران بالتحفظ الشديد والدعوة إلى خفض التصعيد، مع التأكيد على أهمية الحلول الدبلوماسية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط. فقد شددت الحكومة اليابانية على أن استقرار المنطقة يُعدّ عنصرًا حاسمًا لأمن الطاقة العالمي، نظرًا لاعتماد اليابان الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، ما يجعلها معنية مباشرة بأي اضطرابات إقليمية. وفي هذا السياق، أكدت وزارة الخارجية اليابانية أن اليابان “تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب أي إجراءات من شأنها تصعيد التوتر”، مع التركيز على أهمية استمرار الجهود الدبلوماسية لتخفيف حدة الأزمة هذا ما ورد على موقع الحكومة اليابانية.

كما ورد في بيانات حكومية أخرى أن أمن الطاقة واستقرار طرق الملاحة البحرية يمثلان أولوية استراتيجية للسياسة الخارجية اليابانية، وهو ما يفسر تبنيها لموقف حذر من أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج.

وبناءً عليه، يعكس الموقف الياباني نهجًا يقوم على “الدعم الدبلوماسي دون الانخراط العسكري”، حيث تحافظ طوكيو على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تتجنب المشاركة في أي عمليات عسكرية خارج إطار الدفاع المباشر عن مصالحها الحيوية، ما يبرز طابع البراغماتية والحذر في سياستها الخارجية تجاه الأزمات الدولية.

6- دلالات استراتيجية: تراجع القيادة الأمريكية

لا يمكن تفسير تراجع القيادة الأمريكية داخل التحالفات الغربية بوصفه نتيجة ظرفية مرتبطة بإدارة أزمة معينة، يتابع واكيم بل ينبغي فهمه في إطار تحوّل بنيوي في النظام الدولي. فالنظام الأحادي القطبية الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة يواجه اليوم تحديات متزايدة مع صعود قوى دولية كبرى، ما يعيد إنتاج نمط من التعددية القطبية. وفي هذا الإطار، يشكّل العدوان على إيران لحظة مفصلية تتكثف فيها هذه التحولات، على نحو يذكّر باللحظات التاريخية الفاصلة التي أعادت تشكيل النظام الدولي، كما حدث عقب أزمة السويس عام 1956.

وتشير الأدبيات الأكاديمية الأمريكية إلى أن موقع القيادة الأمريكية داخل التحالفات الغربية، وخاصة حلف شمال الأطلسي، يشهد تحولات متزايدة تعكس تراجع القدرة على فرض إجماع استراتيجي موحد. فقد أوضحت دراسة صادرة عن Harvard Kennedy School (Belfer Center) بعنوان NATO at Seventy: An Alliance in Crisis، والتي كتبها Graham Allison (2020)، أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الناتو يتمثل في تراجع “الموثوقية القيادية” للولايات المتحدة، حيث إن ضعف القيادة السياسية الأمريكية يؤدي إلى اهتزاز تماسك الحلف وتزايد الشكوك حول التزام واشنطن طويل الأمد.

وفي السياق ذاته، تؤكد دراسة صادرة عن Council on Foreign Relations (CFR) بعنوان America Revived، والتي كتبها Robert D. Blackwill (2024) وRichard Fontaine ، أن النظام الدولي لم يعد يسمح بعودة الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة، إذ باتت قدرتها على قيادة النظام العالمي مقيدة بصعود قوى دولية أخرى، وبازدياد نزعة الاستقلال لدى الحلفاء الذين أصبحوا يتبنون سياسات أكثر استقلالية وبراغماتية في إدارة مصالحهم.

كما تشير دراسة منشورة في مجلة International Politics (Springer Nature) بعنوان Assessing NATO’s Cohesion: Methods and Implications، والتي كتبها Sten Rynning (2024)، إلى أن تباين إدراك التهديدات بين دول الناتو، إلى جانب اختلاف الأولويات السياسية، يؤدي إلى تقليص قدرة الولايات المتحدة على توحيد القرار داخل الحلف، وهو ما قد يفضي تدريجيًا إلى تراجع دورها القيادي في إدارة الأزمات الدولية.

تشير دراسة تحليلية حديثة ل Michael Hirsh (2026) إلى أن العدوان الأمريكي على إيران كشف حدود القيادة الأمريكية داخل التحالفات الغربية، حيث برز تباين واضح في مواقف الحلفاء وامتناع عدد منهم عن الانخراط العسكري المباشر أو تقديم دعم كامل لواشنطن (Hirsh, 2026, Foreign Policy: “The Iran Conflict and the Limits of U.S. Leadership”). ويؤكد التحليل أن هذا التباين يعكس انتقال النظام التحالفي من قيادة أمريكية مركزية إلى نمط أكثر انتقائية وتعددية في الاستجابة للأزمات. كما يبرز تزايد نزعة الاستقلال لدى الحلفاء وتفضيلهم المقاربات الدبلوماسية على التصعيد العسكري، ما يعكس في المحصلة تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إجماع دولي موحد في الأزمات الكبرى.
ويعزز هذا الطرح ما تشير إليه المقاربات البنيوية التي ترى أن تراجع القدرة القيادية لا يرتبط فقط بضعف الأداء السياسي، يقول واكيم، بل بانتهاء مرحلة تاريخية كاملة من الهيمنة الأحادية. إذ إن انتقال النظام الدولي إلى صيغة أكثر تعددية يفرض بالضرورة قيودًا على قدرة أي قوة منفردة على فرض إرادتها، وهو ما يفسر تزايد التباينات داخل التحالفات الغربية في التعاطي مع الأزمات الكبرى، ومنها الأزمة مع إيران.

وبناءً على ذلك، يتضح أن مجمل هذه الدراسات تشير إلى تحول بنيوي في طبيعة القيادة الأمريكية، من قيادة مهيمنة قادرة على فرض الإجماع، إلى قيادة مقيدة بتوازنات داخلية داخل التحالفات، وهو ما ينعكس مباشرة على إدارة الأزمات الكبرى في النظام الدولي المعاصر.

7- تراجع النفوذ الاميركي يتجاوز الناتو الى الحلفاء حول العالم

في المحصلة، يكشف العدوان الأمريكي على إيران عن تحوّل يتجاوز حدود الأزمة الظرفية ليطال بنية النظام الدولي نفسه. فالتباينات التي ظهرت داخل حلف شمال الأطلسي، ومواقف الحلفاء خارج الإطار الأوروبي، تعكس بوضوح تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إجماع استراتيجي موحّد، حتى داخل دوائر نفوذها التقليدية.

ولا يمكن فصل هذا التراجع عن سياق أوسع يتمثل في اهتزاز النظام الأحادي القطبية الذي تكرّس بعد الحرب الباردة، في مقابل صعود قوى دولية منافسة وتزايد النزعات الاستقلالية لدى الحلفاء. وفي هذا الإطار، تبدو الأزمة مع إيران أقرب إلى لحظة مفصلية تتكثف فيها التحولات البنيوية للنظام الدولي، على نحو يذكّر بمحطات تاريخية كبرى أعادت رسم توازنات القوة العالمية.

وبناءً عليه، فإن ما أفرزته هذه الأزمة لا يقتصر على كشف حدود القيادة الأمريكية، بل يشير إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، تتسم بتعدد مراكز القوة، وتراجع القدرة على التحكم المنفرد بمسارات الأزمات، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل منظومة التحالفات الدولية في اتجاه أكثر تعقيدًا وتوازنًا.

محمد أحمد حمود – باحث في التاريخ

المصدر: موقع المنار